للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

انتقلت عني نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه فقال جعفر: لله أخي ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه.

وكان الرشيد قد جعل ولده محمدا في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختص كل واحد منهما بمن في حجره، ثم إن (١) الرشيد قلد الفضل بعمل خراسان، فتوجه إليها وأقام بها مدة، فوصل كتاب صاحب البريد بخراسان إلى الرشيد ويحيى جالس بين يديه ومضمون الكتاب أن الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به إلى يحيى، وقال له: يا أبت، اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه بما يردعه عن هذا، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه من التشاغل (٢) بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام وكتب في أسفله هذه الأبيات:

انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب

حتى إذ الليل أتى مقبلا ... واستترت فيه وجوه العيوب

فكابد اليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب

كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب

غطى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب

ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب والرشيد ينظر إلى ما يكتب (٣) ، فلما فرغ قال: أبلغت يا أبت، فلما ورد


(١) وكان الرشيد ... ثم إن: ورد في ر م والمختار؛ وجاء في سائر النسخ: وكان الرشيد قد ولاه خراسان وأقام بها مدة ... الخ.
(٢) ر: التغافل.
(٣) ن: ما كتب، وسقطت من لي.

<<  <  ج: ص:  >  >>