للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطائفة (١) ابن المشطوب، فجاءه يوماً على غفلة إلى خيمته واستدعاه، فخرج إليه فقال له: أريد أن أتحدث معك سراً في خلوة، فركب فرسه وسار معه وهو جريدة وقد جرد (٢) المعظم جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق إليهم، وقال لهم: اتبعونا، ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث ويخرج معه من شيء إلى شيء حتى أبعد عن المخيم، ثم قال له: يا عماد الدين، هذه البلاد لك ونشتهي أن تهبها لنا، ثم أعطاه شيئاً من النفقة، وقال لأولئك المجردين: تسلموه حتى تخرجوه من الرمل، فلم يسعه إلا امتثال الأمر لانفراده وعدم القدرة على الممانعة في تلك الحال.

ثم عاد المعظم إلى أخيه الكامل وعرفه صورة ما جرى، ثم جهز أخاه الملك الفائز إلى الموصل لإحضار النجدة منها ومن بلاد الشرق، فمات بسنجار وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد، فلما خرج هذان الشخصان من العسكر تحللت عزائم من بقي من المراء الموافقين لهما، ودخلوا في طاعة الملك الكامل كرهاً لا طوعاً، وجرى في قضية دمياط ما هو مشهور، فلا حاجة إلى الإطالة بذكره؛ ولما ملك الفرنج دمياط وصارت في قبضتهم خرجوا منها قاصدين القاهرة ومصر، ونزلوا في رأس الجزيرة التي دمياط في برها، وكان المسلمون قبالتهم في القرية المعروفة بالمنصورة، والبحر حائل بينهم، وهو بحر أشموم، ونصر الله تعالى بمنه وجميل لطفه المسلمين عليهم، كما هو مشهور، ورحل الفرنج عن منزلهم ليلة الجمعة سابع شهر رجب سنة اثنا عشرة وستمائة، وتم الصلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر المذكور، ورحل الفرنج عن البلاد في شعبان من السنة المذكورة، وكانت مدة إقامتهم في بلاد الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهراً وسبعة عشرة يوماً، وكفى الله شرهم والحمد لله على ذلك، وقد فصلت ذلك في ترجمة يحيى بن جراح فيكشف هناك.

فلما استراح خاطر الملك الكامل من جهة هذا العدو تفرغ للأمراء الذين كانوا متحاملين عليه فنفاهم عن البلاد، وبدد شملهم وشردهم، ودخل إلى القاهرة


(١) المختار: الضية.
(٢) هامش ن: أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>