للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الرياضية، "والثاني يشمل كل ما توقفنا عليه تجربة الحس. والثالث ما تفيدنا إياه المحادثة مع غيرنا من الناس, والرابع مطالعة الكتب"١.

ويلاحظ أن ديكارت لم يضمن في إحصاء عملية الاستدلال. على أن من الصعب علينا أن نقبل ذلك التقييم الذي يضع محادثة الناس ومطالعة الكتب في مستوى واحد مع حدس المعاني الرياضية والتجربة, ولكن تلك الأضرب ليست إلا لصور الدنيا للمعرفة. فلكي تكون المعرفة كاملة ينبغي أن تكون مستنبطة من العلل الأولى. ومهمة الفيلسوف هي البحث عن تلك العلل أو المبادئ: "لقد وجد في كل زمان رجال عظماء حاولوا أن يجدوا مرتبة خامسة لبلوغ الحكمة، هي أسمى وأوثق ولا يعدلها شيء من المراتب الأربع الأخرى, وهي طلب العلل الأولى للمبادئ الحقة التي بها يكون بمقدور الإنسان أن يستنبط أسباب كل ما يستطيع أن يعرف. وأولئك الذين جدوا في هذا المطلب هم الذين سماهم الناس فلاسفة".

وما شرائط تلك المبادئ الأولى؟

ينبغي أن يتوافر في تلك المبادئ شرطان: الأول: أن تكون من الوضوح والبداهة بحيث لا يشك الذهن في حقيقتها إذا جد في النظر فيها. والثاني: أن تعتمد عليها معرفة الأشياء الأخرى, فلا تتم تلك المعرفة بدونها، في حين أن المبادئ يمكن معرفتها بدون تلك الأشياء: "ينبغي أن نستنبط من تلك المبادئ الأولى معرفة الأشياء التي تعتمد عليها بحيث لا يكون من سلسلة الاستنباطات التي تقوم بها شيء إلا وهو شديد الجلاء"٢.

وعلى ذلك يكون منهج الفلسفة هو المنهج الاستنباطي, ومعيارها الوضوح والتميز وربط المعاني.


١ مبادئ الفلسفة, المقدمة "طبع ليار ص١٠".
٢ المبادئ, المقدمة ص١٥.

<<  <   >  >>