<<  <   >  >>

[أهم أوجه نقد الوضعية المنطقية]

أدت تلك الدعاوى المتطرفة للاقتصار على الخبرة الحسية وإنكار دور العقل والاهتمام بمعنى القضية وليس بصدقها أو بكذبها، أدت إلى صراع فكري حادّ بين المدارس الفلسفية. فقد اتهم المعاصرون من أنصار الفلسفة التقليدية الوضعيين المناطقة بالتعصب والتعسف؛ لأنهم وضعوا أنفسهم في دائرة مغلقة هي القول بالواقع موضوعا وحيدا للبحث، وبالحس أداة وحيدة لإدراكه. كما اتهمهم الماركسيون بمحاولة إنكار الفلسفة لإبعاد الناس عن الفلسفة المادية بالذات التي تكشف بطريقة علمية حتمية قوانين تغير الطبيعة والمجتمع, ومن ثم يسخرون مذهبهم لخدمة النظام الرأسمالي القائم.

غير أنه من الملاحظ عدم وجود من يعترض على مطالبة الوضعية المنطقية بإزالة الغموض من التفكير الفلسفي, والالتزام بتحديد الألفاظ. لكن التطرف الذي عارضه كثير من المعاصرين هو حصر الفلسفة كلها في نطاق التحليل اللفظي والأشكال اللغوية وحدها والاستعانة في ذلك بمنهج قاصر من شأنه أن يؤدي إلى القضاء على خصوبة الفكر البشري, وهدم الفلسفة نفسها.

بالمثل, لا يمكن قبول موقف الوضعية المنطقية من استبعاد مشاكل رئيسية كطبيعة العالم والعلاقات بين الفكر والواقع بحجة أنها قضايا زائفة، ذلك أن الفكر البشري بحاجة إلى فهم العلاقة القائمة بين نظام الأفكار وترابطها من ناحية ونظام الأشياء وترابطها من ناحية أخرى. إن الأخذ بما ذهبت إليه تلك المدرسة من شأنه "حرمان التفكير الفلسفي من كل مضمون, واستبدال قضايا الفلسفة الحيوية الهامة ببرنامج هزيل يجدب الفكر"1.

يرفض المعاصرون من أنصار الفلسفة التقليدية ادعاء كل من الوضعية, والوضعية المنطقية بأن العلم لم يدع للفلسفة مجالا لبحث, ويفندون ذلك الادعاء


1 المرجع السابق، ص76، 77.

<<  <   >  >>