للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

العلم] ١ وأكب الناس عليه، ثم عرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أكرم٢.

ولم يخل المكرَم٣ عن ذل الطلب٤، فأصبح المطلوب طالبا، والهارب الراهب راغبا، إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دينه المعرضين عن السلاطين وولاياتهم وأموالهم، ومن فضل الله تعالى أنه لم يخل عصر منهم.

وقد كان أكثر الإقبال في ذلك العصر على علم الفتاوى والأقضية، وهو المسمى الآن بعلم المذهب، ثم نبعت طائفة المتكلمين من المعتزلة٥ وغيرهم، وظهر من الصدور والخلفاء من مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصب فيه، وأقبلوا على من اشتغل بذلك العلم، فأكب الناس على الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذب٦ عن الدين والنضال عن السنة كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ليتميز الحلال من الحرام.

ثم ظهر بعد ذلك من الصدورمن لم يستصوب٧ الخوض في أصول العقائد لما فيه من الفتنة فأعرض عن المتكلمين، وأقبل على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على من يناظر في الفقه وبيان الأولى من مذهب أبي حنيفة


١ زيادة في فاتحة العلوم يقتضيها السياق، والبيداء: المفازة والفلاة الواسعة.
٢ في فاتحة العلوم: "ومنهم من أنجح" والنجح والنجاح: الظفر بالشيء، وقد أنجح ونجح.
٣ في فاتحة العلوم: "المنجح".
٤ إلى هنا ينتهي النقل الحرفي من فاتحة العلوم.
٥ المعتزلة: فرقة من المتكلمين يخالفون الجمهور من المسلمين ببعض المعتقدات، وسموا بذلك؛ لأن إمامهم واصل بن عطاء، اعتزل مجلس الحسن البصري، وجعل مجلسا له خاصا به، فقال الحسن: اعتزلنا واصلا.
٦ الذب عن الشي: الدفع والمنع.
٧ الصواب: ضد الخطأ، واستصوبه رآه صوابا.

<<  <   >  >>