<<  <   >  >>

الباب السادس: في الأدب مع الكتب التي هي آله العلم

وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائها وعاريتها ونسخها وغير ذلك 1:

وفيه مسائل2:

الأولى: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه شراء3 أو إجارة أو عارية؛ لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم، وقد أحسن القائل "من المتقارب":

إذا لم تكن حافظا واعيا

فجمعك الكتب لا ينفع4

وإن أمكنه تحصيلها شراء فلا يشتغل بنسخها5؛ لأن الاشتغال أهم من النسخ، ولا يرضى بالاستعارة مع إمكان تحصيله ملكا أو إجارة6.

الثانية: يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن ضرر منه بها، وكره عاريتها قوم، والأول هو الأصح المختار لها فيه من الإعانة على العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر، روينا عن وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب7، وعن سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت فلا ينتفع به، أو تذهب كتبه8، وقال رجل لأبي العتاهية9:


1 انظر الباب والعنوان نفسه في كتاب: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة الكناني ص163-193.
2 في كتاب تذكرة السامع والمتكلم ص164: "وفيه أحد عشر نوعا".
3 كان المتقدمون لهم عادات متميزة في شراء الكتب، حيث كان يقال مثلا: لما صنف أبو نعيم كتابه الحلية، حمل هذا الكتاب في حياته إلى نيسابور، فاشتروه بأربعمائة دينار، ويقال: إن كتاب الأغاني اشتراه سيف الدولة من المؤلف بخمسمائة دينار أيضا.
4 البيت بلا نسبة في تذكرة السامع 164.
5 تذكرة السامع 165، علما بأن أكثر المتقدمين اشتغلوا كثيرا في الاستنساخ والكتابة حتى أفنوا أعمارهم في تحصيل الكتب، وأخذ الإحازات بسبب قلة أموالهم، وشدة توقانهم إلى العلم، وهم أشد عناية بالنسخ والمقابلة حتى ذهب نور أبصارهم، وتعبت خواطرهم، وتغيرت أحوالهم، وصاروا منارات للعلم يستضاء بها، ويهتدي بها السارون.
6 تذكرة السامع 167.
7 أدب الإملاء والاستملاء 175.
8 سير أعلام النبلاء 8/ 353، وقد نسب هذا القول لعبد الله بن المبارك، ومثله في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 510، لكنه نسبه لسفيان الثوري 1/ 370.
9 هو إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية: شاعر مكثر، سريع الخاطر في شعره إبداع، وهو يعد من مقدمي المولدين، من طبقة بشار وأبي نواس وأمثالهما، وكان جيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره، نشأ في الكوفة وسكن بغداد، وبها توفي سنة 211هـ. الأغاني 4/ 1، وتاريخ بغداد 6/ 250.

<<  <   >  >>