للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

١٦٠- ((كَانَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمسحُ أعَلى الخُفَّ وأَسفَلَهُ)) . (١)


(١) ١٦٠- منكر.
أخرجه أبو داود (١/ ٢٨٠- ٢٨١ عون) ، والترمذي (٩٧) ، وابن ماجة (٥٥٠) ، وأحمد (٤/ ٢٥١) ، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٨٤) ، والدارقطني (١/ ١٩٥) ، والبيهقي (١/ ٢٩٠) من طريق الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة ... فذكره.
قال الترمذي: ((هذا حديث ذكروا له عللا أربعة: ... =
=الأولى: أن ثور بن يزيد، لم يسمعه من رجاء بن حيوة.
الثانية: أنه مرسل.
الثالثة: أن الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعنه.
الرابعة: أن كاتب المغيرة مجهول لا يعرف.
فأما العلة الأولى:
فأجاب عنها ابن القيم في ((تهذيب سنن أبي داود)) ، وابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ، وحاصل جوابهما أن الدارقطني أخرج في ((سنته)) من طريق داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، حدثنا رجاء بن حيوة ... فصرح ثور بالتحديث عن رجاء، فزالت العلة. وتابعهما الشيخ أبو الأشبال - رحم الله الجميع - في ((شرح الترمذي)) (١/ ١٦٤) .
قلت: وفيما ذهبوا إليه نظر.
فقد رواه البيهقي (١/ ٢٩٠- ٢٩١) عن أحمد بن عبيد الصفار، وهذا في ((مسنده)) ، من طريق أحمد بن يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد، فقال: ((عن رجاء)) ، ولم يقل ((حدثنا رجاء)) .
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١/ ١٦٠) : ((فهذا اختلاف على داود، يمنع القول بصحة وصله، مع ما تقدم في كلام االأئمة)) أهـ‍.
ويؤيده: أن عبد الله بن المبارك خالف الوليد بن مسلم في وصله.

فأخرجه عبد الله بن أحمد في ((كتاب العلل)) ، وابن حزم في ((المحلى)) (٢/ ١١٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. مرسلاً، ليس فيه ((المغيرة)) .
هكذا روى ابن المبارك، وهو ثقة إمام حجة، لا يرتاب أحد في تقديمه على الوليد بن مسلم.

وحاول الشيخ أبو الأشبال - رحمه الله - أن يتقصى من ذلك، فقال في ((شرح الترمذي)) : ((الوليد بن مسلم كان ثقة، حافظاً، متقناً، فإن خالفه ابن المبارك فإنما زاد أحدهما على الآخر، وزيادة الثقة مقبولة)) أهـ‍.
قلت: هذا ليس من باب زيادة الثقة على الآخر، بل من باب المخالفة. أما في الإسناد: فقد تفرد الوليد بوصله، كما حكاه الترمذي وغيره.
فإن قلت: بل تابعه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن ثور مثله.
قلنا: ما أوهن ما تعلقت به. فإن إبراهيم متروك، وقد كذبه بعض الأئمة.
ومما يتعجب منه حقاً أن أبا الأشبال - رحمه الله - يعتد بمثل هذه المتابعة، فيقول: ((إبراهيم بن أبي يحيى ضعفه عامة المحدثين، لأنه كان من أهل الأهواء، بل رماه بعضهم بالكذب. لكن تلميذه الشافعي أعرف= = به!! . وفي ((التهذيب)) : قيل للربيع: ما حمل الشافعي أن يروي عنه؟؟ قَالَ: كَانَ يقول: لأن يخر إبراهيم من بُعد، أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث)) .
قلت: هذا رأي الشيخ رحمه الله في إبراهيم! ، وهو رأي غريب لا يجري على أصول المحدثين.
ومن المعلوم: أن الجرح مقدم على التعديل إن كان مفسراً، والجرح بالكذب من أعظم دوافع ترك الرواية عن المجروح. وإبراهيم هذا، كذبه يحيى القطان، وابن معين. وتركه النسائي وغيره.
ثم أنه مدني. وقد سئل عنه مالك: أكان ثقة؟؟
قال: لا، ولا ثقة دينه!!
وكثيراً ما ينازع الشيخ خصومه في مثل هذا، فيقول: ((مالك هو الحجة على أهل المدينة)) .
وقد جئناك بقول مالك. ونزيد أيضاً: قال بشر بن المفضل: ((سألت فقهاء المدينة عنه، فكلهم يقولون: كذاب، أو نحو هذا)) .
ولا يعقل أن يقدم قول الشافعي - رحمه الله على قول أهل الاختصاص، لا سيما إن اتفقوا، واجتماع المحدثين على الشيء يكون حجة، كما قال أبو حاتم - رحمه الله تعالى -.
فإن قيل: ما الحامل للشافعي على الرواية عنه؟! .
أجاب ابن حبان في ((المجروحين)) (١/ ١٠٧) بقوله: ((وأما الشافعي فأنه كان يجالسه في حداثته، ويحفظ عنه حفظ الصبي، والحفظ في الصغر، كالنقش في الحجر. فلما دخل مصر في آخر عمره، فأخذ يصنف الكتب المبسوطة، احتاج إلى الأخبار، ولم تكن معه كتبه، فأكثر ما أودع الكتب من حفظه، فمن أجله ما روى عنه، وربما كنى عنه ولا يسميه في الكتب)) . أهـ‍.
وبالجملة: فإن متابعة إبراهيم للوليد بن مسلم ساقطة لا يُفرح بها.
فإن قلت: قد تابعها محمد بن عيسى فصدوق، ولكن في حفظه مقال.
قال ابن حبان: ((مستقيم الحديث إذا بين السماع في خبره)) .
فيستفاد من قوله أنه كان مدلساً. وقد جزم بذلك الحافظ في ((التقريب)) . وقد رواه بالعنعنة.
هذا ما يتعلق بالإسناد، وابن المبارك يترجح عليهم.
فإن قلت: قد رواه ابن المبارك موصولاً كما رواه الوليد بن مسلم. فهذا إن لم يكن فيه ترجيح لرواية الوليد، فليس أقل من أن يكون اختلافاً على ابن المبارك؛ تضعف به مخالفته.
قلت: هذا آخر سهم في جعبتكم، وما أصبتم الرمية!!
فقد قال الأثرم: ((كان أحمد يضعف هذا الحديث ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: عن ابن المبارك، عن ثور، حدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة. ولم يذكر ((المغيرة)) . قال أحمد: وكان حدثني به نعيم بن حماد، حدثني به عن ابن المبارك حدثني الوليد مسلم به عن ثور. ... =
= فقلت له: إنما يقول هذا الوليد. فأما ابن المبارك فيقول: ((حدثت عن رجاء)) ولا يذكر ((المغيرة)) . فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه!!
فأخرج إليَّ كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم: ((عن المغيرة)) . فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها. فجعل يقول للناس بعد، وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث)) . أهـ‍.
ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١/ ١٥٩) .
أما من ناحية المتن: فقد تضافرت الأحاديث الصحيحة على ذكر المسح على ظاهر الخف، وليس على باطنه.
ومما يشعر أن المسح على باطن الخف لم يكن معروفاً، قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ((لو كان الدين بالرأي، لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفيه)) .
أخرجه أبو داود (١٦٢) ، والدارقطني (١/ ١٩٩) ، والبيهقي (١/ ٢٩٢) ، وابن حزم في ((المحلى))
(٢/ ١١١) ، وابن الجوزي في ((مناقب علي)) (ق ٣٣/ ١) من طريق عبد خير، عن علي.
وسنده صحيح ...
قال ابن القيم: ((والأحاديث الصحيحة كلها تخالفه)) .
يعني حديث مسح باطن الخف.
وقد قال البخاري في ((التاريخ الأوسط)) : ((ثنا محمد بن الصباح، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم يمسح على خفيه، ظاهرهما)) .
قال البخاري: ((وهذا أصح من حديث رجاء، عن كاتب المغيرة)) . أهـ‍.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١/ ٥٤/ ١٣٥) : ((سمعت أبي يقول في حديث الوليد، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة.... فذكره.
فقال: ((ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح)) .
قلت: فظهر من كلام هذين الإمامين أن زيادة: ((باطن الخف)) منكرة؛ لمخالفتها للأحاديث الصحيحة عن المغيرة، وغيره في الاقتصار على ظاهر الخف فحسب. والله أعلم.
أما العلة الثانية:
فقد ذكروا أنه مرسل. يعني أن كاتب المغيرة يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يدركه. وقد تقدم شيء من هذا في كلام الإمام أحمد مع نعيم بن حماد.
وهذا ما رجحه البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم. ... =
= فأما البخاري، فنقل ذلك الترمذي عنه، وعن أبي زرعة، فقال: ((سألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور، عن رجاء بن حيوة، قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر فيه المغيرة)) . أهـ‍.
وفي ((علل الحديث)) (١/ ٣٨/ ٧٨) لابن أبي حاتم أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: ((هذا أشبه)) .
يعني عدم ذكر ((المغيرة)) .
العلة الثالثة:
وهي أن الوليد بن مسلم عنعن الحديث.
قلت: نعم صرح الوليد بالتحديث عن ثور عند أحمد وأبي داود، ولكنه - أعني الوليد - كان يدلس تدليس التسوية، وهذا يقتضيه أن يصرح في كل طبقات السند، ولم يفعل.
وقد قال الحافظ في ((الفتح)) (٢/ ٣١٨) في تخريج حديث: ((وأخرجه أيضاً من رواية الوليد بن مسلم.... وصرح بالتحديث في جميع الإسناد)) .
فبقيت العلة.
أما العلة الرابعة:
فهي جهالة كاتب المغيرة.
ذكر ذلك ابن حزم في ((المحلى)) (٢/ ١١٤) ، وقوله مردود؛ لأن كاتب المغيرة اسمه ((وراد)) وهو مشهور، وله أحاديث اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها من روايته عن المغيرة.
وجملة القول: أن هذا الحديث ضعفه جهابذة الحديث ونقاده مثل البخاري وأبو حاتم، وأحمد، وأبو زرعة، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم. فمن الناس بعدهم؟!!

<<  <  ج: ص:  >  >>