<<  <   >  >>

[الفصل الأول: تسبيح الله ذاته العلية عن الإشراك به]

[المبحث الأول: في آية سورة التوبة]

...

المبحث الأول

في آية سورة التوبة:

قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1.

مطلب: في بيان ما قبل التسبيح.

- الكلام في هذه الآية الكريمة عن اليهود والنّصارى حيث إنّهم اتخذوا أحبارهم - وهم علماء اليهود - ورهبانهم -2 وهم عبّاد النصارى - أرباباً من دون الله عزّ وجلّ، والمراد أنّهم يحلّون لهم ما حرّم الله فيحلّونه؛ ويحرّمون لهم ما أحلّ الله فيحرِّمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الله فيتبعونهم عليها3 أي جعلوهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كلِّ شيء؛ ومنه قوله تعالى: {قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} 4أي كالنار5.


1 سورة التوبة: الآية (31) .
2 قال القرطبي: الأحبار جمع حَبر، وهو الذي يحسِّن القول وينظِّمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبَّر أي جمع الزينة. وقد قيل في واحد الأحبار حِبر بكسر الحاء، والمفسرون على فتحها، وأهل اللغة على كسرها. قال الفرّاء: الفتح والكسر لغتان. والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به. (انظر: تفسير القرطبي ج8 ص119_120) .
3 انظر: تفسير الطبري ج10 ص80_81؛تفسير ابن كثير ج2 ص349؛ تفسير محاسن التأويل للقاسمي ج8 ص184_185؛تفسير السعدي ج3 ص223.
4 سورة الكهف، الآية:96.
5 تفسير القرطبي: ج8 ص120.ومستند المفسرين في هذا تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الترمذي وغيره عن عَدِيّ بن حاتم رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عَدِيّ اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه" [كتاب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث 5093 (تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ج8 ص492_493) وقد حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ج3ص56] .

<<  <   >  >>