للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

هجرة العلم والشعر إجمالاً

في خلال السنوات الثلاثين التي تم فيها الفتح حدث أول أثر مباشر في الحياة العقلية والأدبية بالجزيرة فإن عدداً كبيراً من العلماء والأدباء والصالحين غادر الجزيرة على دفعات - بعضهم فر فزعاً من أول هجوم، فخرجوا كما خرج ابن الصفار " فارين بمهجهم تاركين لكل ما ملكت أيديهم "، وبعضهم هاجر حين رجع أسطول ابني تميم ويئسوا من صلاح الأمر بعد فساده، وبعضهم تسلل من بعدُ، حين سنحت له الفرصة. ولا شك في أن الحرب نفسها قد قضت على بعضهم فقتلوا أو ماتوا وخاصة لما انتشر الوباء في بلرم، وفريق منهم آثر الإقامة في بلده (١) .

واختلفت وجهات المهاجرين فذهب جماعة إلى الأندلس ولكن أكثرهم حل في شمال إفريقية ووصل كثيرون إلى مصر. ولا شك في أن كثيراً من الذين توجهوا إلى المشرق كانوا يضعون نصب أعيهم حقيقتين بارزتين، أولهما أن صقلية كانت ذات يوم ولاية تدين بالتبعية لمصر، وثانيهما أن مكة كانت مهوى أفئدتهم، ولا يستغرب أن تكون الدوافع الدينية هي التي دفعت بكثير منهم في ذلك الاتجاه، حتى لقد جاور بعضهم في مكة في ظل الدين الذي كان يفيء على حياة المسلمين جميعاً، وتمحي في رحابه الحدود الجغرافية. وعاش الصقليون في خارج بلدهم يتابعون تلك الدراسات التي كانوا قد قطعوا فيها مرحلة طويلة، وأنشأوا لهم مدارس أدبية وفقهية ولغوية أينما حلوا (٢) ، فامتاز الصقليون في مصر بجهودهم في النحو واللغة والقراءات في كل من الإسكندرية والقاهرة، وتمتاز هذه


(١) Amari: S. D. M. vol، ٣، p. ١٦٩.
(٢) ليس من منهج البحث أن أتناول بالدرس جهود هذه المدارس الصقلية في الخارج بالتفصيل، وهذا القدر هو الذي يتمشى مع الكيان العام للمنهج.

<<  <   >  >>