للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقول الحق جلّ جلاله: وَقالَ الشَّيْطانُ، أي: إبليس الأقدم لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي: أمر الحساب، وفرغ منه، ودخل أهل الجنةِ الجنة، وأهلُ النارِ النارَ. رُوي أنه يُنصب له منبر من نار، فيقوم خطيباً في النار على أهل النار، يعني على الأشقياء من الثقَلين، فيقول في خطبته: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ، أي: وعداً حقاً أنجزه لكم، وهو وعد البعث والجزاء، وَوَعَدْتُكُمْ وعد الباطل، وهو: ألاَّ بعث ولا حساب، وإن كان واقعاً شيء من ذلك فالأصنام تشفع لكم، فَأَخْلَفْتُكُمْ، أي: فظهر خلاف ما وعدتكم، جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه مجازاً. وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ من تسلط، فألجئكم إلى الكفر والمعاصي، إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ إلا دعائي إياكم إليها بتسويل وتزيين، فَاسْتَجَبْتُمْ لِي، وهو ليس من جنس التسلط، لكنه تهكم بهم، على طريقة قوله:

تحَيَّةُ بَينِهِم ضَربٌ وَجِيعٌ «١» .

ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، أي: ما تسلطت عليكم بالقهر، لكن دعوتكم فأسرعتم إجابتي، فَلا تَلُومُونِي فإنَّ من اشتهر بالعداوة لا يُلام على أمثال ذلك، وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ حيث أطعتموني حين دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم. ولا حجة للمعتزلة في الآية على أن العبد يخلق أفعاله لأن كسب العبد مقدر في ظاهر الأمر، لقيام عالم الحكمة، وهو رداء لعالم القدرة، فالقدرة تبرز، والحكمة تستر، وهو ما يظهر من اختيار العبد، ولا اختيار له في الحقيقة قال تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ «٢» ، وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٣» .

ثم قال لهم: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ: بمغيثكم من العذاب، وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ: بمغيثي، إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ، أي: إني كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم في دار الدنيا، بمعنى: تبرأت منه واستنكرته، كقوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ «٤» . أو: أني كفرت بالله الذي أشركتموني معه في طاعته من قبل، حين امتنعْت من السجود. والأول أظهر.

قال تعالى: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. ويحتمل أن يكون من تتمة خطبة الشيطان، قال البيضاوي: وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين، وإيقاظ لهم، حتى يُحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم. هـ.

الإشارة: ينبغي لك أيها العبد الصالح الناصح لنفسه ان تصغي بسمع قلبك إلى هذه المقالة، التي تصدر من الشيطان عند فوات الأوان، فتبادر إلى خلاص نفسك مادمت في قيد حياتك، قبل حلول رمسك «٥» ، قبل أن تزل


(١) عجز بيت أوله: وخيل قد دلفت، لها نجيع. [.....]
(٢) من الآية ١١٢ من سورة الأنعام.
(٣) من الآية ٣٠ من سورة الإنسان، ومن الآية ٢٩ من سورة التكوير.
(٤) من الآية ١٤ من سورة فاطر.
(٥) أي: دخول القبر.

<<  <  ج: ص:  >  >>