للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونفر كانوا قد أسلموا ثم فُتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً، فنزلت الآية، وكان عمر بن الخطاب كاتباً، فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد، وإلى أولئك النفر، فأسلموا، وهاجروا «١» .

قال علي رضي الله عنه: «ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية.» «٢» . فما يُقنط الناس ويشدد عليهم بعد هذه الآية إلا جهول، أو جامد، قال زيد بن أسلم: إنَّ رجلاً كان في الأمم الماضية مجتهداً في العبادة، فيشدد على نفسه، ويقنط الناس من رحمة الله، فمات، فقال: أيّ ربّ مالى عندك؟ فقال: النار. فقال: يا رب أين عبادتي؟ فقال: إنك كنت تُقنط الناس من رحمتي في الدنيا، فاليوم أقنطك من رحمتي. وعن عليّ- كرّم الله وجهه- قال: الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله، وَلا يرخص لهم في معاصي الله. هـ.

ثم حضَّ على التوبة لتتحقق المغفرة، فقال: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ أي: ارجعوا إليه بالتوبة والإخلاص.

فالإنابة أخص من التوبة لأن التوبة: مطلق الندم على الزلة، والإنابة: تحقيق التوبة والنهوض إلى الله بإخلاص التوجه. قال صلّى الله عليه وسلم: «من السعادة أن يطول عمر الرجل ويرزقه الله الإنابة» «٣» . قال القشيري: وقيل الفرق بين الإنابة والتوبة: أن التائب يرجع خوفاً من العقوبة، والمنيب يرجع حياءً منه تعالى. هـ.

والأمر بالتوبة لا يدل على تقييد المغفرة في الآية بها، كما تقدّم إذ ليس المدعَى: أنَّ الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبْق تعذيب، حتى يغني عن الأمر بها، وإنما المراد: الإخبار بسعة غفرانه، سواء كان مع التوبة أم لا. قال ابن عرفة: واعلم أن التوبة من الكفر مقطوع بها، ومن المعاصي، قيل: مظنونة، وقيل:

مقطوع بها، هذا في الجملة، وأما في التعيين، كتوبة زيد بن عَمْرو، فلا خلاف أنها مظنونة. هـ. قلت: قد اقترن بتوبة زيد من الأخبار ما يقطع بصحتها.

ثم قال: وأما العاصي إذا لم يتب فهو في المشيئة، مع تغليب جانب الخوف والعقوبة، واعتقاد أن العذاب أرجح، وأما العصيان بالقتل، ففيه خلاف بين أهل السُّنة، فقيل: يخلد في النار، وقيل: في المشيئة. هـ. وقال أبو الحجاج الضرير- رحمه الله:

وتوبةُ الكافرِ تمحُو اِثْمَه ... لا خلافَ فيه بين الأُمَّهْ

وتوبةُ العاصي على الإِرجاءِ ... وقيلَ كالأول بالسواءِ

إذ لا يكونُ دونه في الحالِ ... وَهُوَ عندي أحسنُ الأقوالِ

دليلُه: تتابعُ الظواهِرْ ... شاملةٌ مسلمٌ وكافرْ. هـ.


(١) أخرجه الطبري (٢٤/ ١٥) وانظر: أسباب النّزول للواحدى (ص/ ٣٨٤) .
(٢) أخرجه الطبري (٢٤/ ١٦) .
(٣) رواه الحاكم (٤/ ٢٤٠) وصحّحه، ووافقه الذهبي، من حديث جابر رضي الله عنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>