للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الإشارة: قل ما كنت بِدعاً من الرسل، وكذلك الوليّ يقول: ما كنت بِدعاً من الأولياء، مع العصمة والحفظ وصريح الوعد بالنجاة، لا تساع معرفتهم وعلمهم بالله لأنهم لا يقفون مع وعد ولا وعيد لأن غيب المشيئة لا يعلم حقيقته إلا الله، وقد يكون الوعد معلقاً بشروط أخفاها الله عنهم، ليتحقق اختصاصه بحقيقة العلم، وفي الحديث: «لا تأمن مكري وإن أَمَّنتك» ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، وعلى ذلك الششتري في نونيته، حيث قال:

وأي وِصَالٍ فى القضيّة يدّعى ... وأكمل مَن الْخَلْق لم يدَّع الأمْنا؟

هذا، وقد قال تعالى في حق رسوله صلّى الله عليه وسلم: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى «١» وقال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٢» ، ومع ذلك كله لم يقف مع ظاهر الوعد، لغيب المشيئة، فقال في حديث ابن مظعون: «والله لا أدري- وأنا رسول- ما يُفعل بي» وحديث ابن مظعون بالمدينة بعد الهجرة «٣» ، فتبيَّن أنَّ الأمن الحقيقي لا يحصل لأحد قبل الختام، وإن كان الغالب والطرف الراجح أن من وُعد بخيرٍ أو بُشِّر به يُنْجَز له بفضل الله وكرمه، والكريم إذا وعد لا يُخلف، لكن المشيئة وقهرية الربوبية لا تزال فوق رأس العبد حتى يلقاه. والله تعالى أعلم.

قال القشيري: وفي الآية دليل على فساد قول أهل البدع، حيث لم يُجوزوا إيلام البريء عقلاً لأنه لو لم يَجُزْ ذلك لكان يقول: أعْلَمُ قطعاً أني معصومٌ، فلا محالةَ يغفر لي، ولكنه قال هذا ليُعلم أن الأمر أمرُه، والحكمَ حكمُه، له أن يفعلَ بعباده ما يريد. هـ.

وقال الورتجبي: لا أدري أين استغرق في بحار وصال جماله الأبدي، وهناك لججات تغيب في ذرة منها جميعُ الأرواح العاشقة، والأسرار الوالهة، والقلوب الحائرة. هـ. والحاصل: أنه لا يدري نهاية مناله من الله، لنفي الغاية في حقه تعالى والنهاية، وهو صريح استبعاد الششتري دعوى الوصال، والله أعلم. هـ من الحاشية.


(١) الآيتان: ٤- ٥ سورة الضحى
(٢) الآية الثانية من سورة الفتح.
(٣) حديث عثمان بن مظعون- رضي الله عنه- أخرجه البخاري فى (الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج فى أكفانه، ح ١٢٤٣) ولفظه: عن خارجة بن زيد بن ثابت: أن أم العلاء- امرأة من الأنصار، بايعت النبي صلى الله عليه وسلم- أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه فى أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفى فيه، فلما توفى وغسّل، وكفن فى أثوابه، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن الله قد أكرمه؟» فقلت: بأبى أنتَ يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: «أما هو فقد جاءه اليقين، والله إنى لأرجو له الخير، والله ما أدرى، وأنا رسول الله، ما يفعل بي، فو الله لا أزكى أحدا بعده أبدا.

<<  <  ج: ص:  >  >>