للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

نفسى؟ قال: «بل شىء جبلك الله عليه»

؛ قال: الحمد لله الذى جبلنى على خلق يرضاه الله ورسوله.

ومن الناس من يقول: إن الحلم ليس غريزة ولا طبيعة بل مكتسب مستفاد، تتمرّن النفس الأبيّة عليه، وتنقاد حبّا فى المحمدة إليه.

وقالوا: الحلم بالتحلّم كما أن العلم بالتعلّم. ويدلّ على ذلك ما حكى عن جعفر الصادق أنه كان عنده عبد سيّئ الخلق، فقيل له: أما تأنف [من [١]] مثل هذا عندك وأنت قادر على الاستبدال به؟ فقال: إنما أتركه لأتعلّم عليه الحلم. ويحكى عنه أنه كان إذا أذنب إليه عبد أعتقه؛ فقيل له فى ذلك؛ فقال: أريد بفعلى هذا تعلّم الحلم. قال الشاعر:

وليس يتمّ الحلم للمرء راضيا ... إذا هو عند السّخط لم يتحلّم

كما لا يتمّ الجود للمرء موسرا ... إذا هو عند القتر لم يتحشّم [٢]

وروى عن سرىّ السّقطىّ أنه قال: الحلم على خمسة أوجه: حلم غريزىّ، وهو هبة من الله للعبد، يعفو عمّن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطى من حرمه، ويحسن لمن أساء إليه؛ وحلم تحالم، يكظم غيظه رجاء الثواب وفى القلب كراهية؛ وحلم كبر، لا يرى المسىء أهلا أن يجاريه؛ وحلم مذموم، رياء وسمعة وهو حاقد ساكت يرائى به جلساءه؛ وحلم مهانة وذلّة وعجز وضعف نفس وصغر همّة.

وقال أبو هلال العسكرىّ: أجمع كلمة سمعناها فى الحلم ما سمعت عمّ أبى يقول:

الحليم ذليل عزيز؛ وذلك أن صورة الحليم صورة الذليل الذى لا انتصار له، واحتمال السفيه والتغافل عنه فى ظاهر الحال ذلّ وإن لم يكن به. وقيل: « [الحليم [٣]] مطيّة الجهول» لاحتماله جهله وتركه الانتصاف منه. وقال الأوّل البيتين وقد تقدّما.


[١] زيادة يقتضيها استعمال اللغة، ولعلها سقطت من الناسخ.
[٢] يتحشم: يتذمّم ويستحى.
[٣] زيادة عن ديوان المعانى لأبى هلال العسكرىّ (ج ١ ص ١٠٨ مخطوط ومحفوظ بدار الكتب المصرية) .