فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- 4 -

[باب من أحب بالوصف]

من غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة، وهذا أمر يترقى منه إلى جميع الحب، فتكون المراسلة والمكاتبة والهم والوجد والسهر على غير الإبصار، فغن للحكايات ونعت المحاسن ورصف الأخبار تأثيراً في النفس ظاهراً؛ وأن تسمع نغمتها من وراء جدار، فيكون سبباً للحب واشتغال البال.

وهذا كله قد وقع لغير ما واحد، ولكنه عندي بنيان هار على غير أس، وذلك أن الذي أفرغ ذهنه في هوى من لم ير لابد له إذ يخلو بفكره أن يمثل لنفسه صورة يتوهمها وعيناً يقيمها نصب ضميره، لا يتمثل في هاجسه غيرها، قد مال بوهمه نحوها، فإن وقعت المعاينة يوماً ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية، وكلا الوجهين قد عرض وعرف، وأكثر ما يقع هذا في ربات الخدور (1) المحجوبات من أهل البيوتات مع أقاربهن من الرجال، وحب النساء في هذا أثبت من حب الرجال لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن، وتمكنه منهن؛ وفي ذلك أقول شعراً (2) منه: [من الهزج] .


(1) في بعض الطبعات: القصور.
(2) انظر ديوان الصبابة: 51 حيث أورد هذه الأبيات ونسبها للمدني () .

<<  <  ج: ص:  >  >>