فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- 8 -

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الشعر

هذه صناعة قال فيها بعض الحكماء: كل شيء يزينه الصدق إلا الساعي والشاعر، فإن الصدق يشينهما فحسبك بما تسمع. وقال المتقدمون: الشعر كذب ولهذا (1) منعه الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} (يس: 69) وأخبر تعالى أنهم يقولون ما لا يفعلون. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإكثار منه، وإنما ذلك لأنه كذب إلا ما خرج عن حد الشعر فجاء مجيء الحكم والمواعظ ومدح النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما عدا ذلك فإن قائله إن تحرى الصدق فقال (2) :

الليل ليل والنهار نهار ... والبغل بغل والحمار حمار

والديك ديك والحمامة مثله ... وكلاهما طير له منقار صار في نصاب من يهزأ به ويسخر منه ويدخل في المضاحك، حتى إذا كذب وأغرق فقال: [92ظ]

ألف السقم جسمه والأنين ... وبراه الهوى فيما يستبين

لا تراه الظنون إلا ظنونا ... وهو أخفى من أن تراه الظنون

قد سمعنا أنينه من قريب ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين

لم يعش أنه جليد ولكن ... ذاب سقما (3) فلم تجده المنون


(1) ولهذا: ولأمر ما في م.
(2) ذكر ابن سعيد (المغرب 2: 92) أن ابن هانئ الأندلسي حين قصد جعفر بن علي صاحب الزاب الأوسط وجد بابه معموراً من الشعراء، فخاف أن يحولوا بينه وبين الوصول إليه فتزيا بزي بربري وكتب على كتف شاة هذين البيتين، ووقف للوزير وقال له: أنا شاعر مفلق أريد أنشد الملك هذا الشعر فضحك الوزير، وأراد أن يطرف به الملك، فأدخل عليه ليضحك منه، فأنشده قصيدته: " أليتنا إذ أرسلت وارداً وحفا ... " فقام إليه جعفر وعانقه أنه ابن هانئ، وخلع عليه.
(3) م: وجداً.

<<  <  ج: ص:  >  >>