فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- 8 -

[باب التعريض بالقول]

ولابد لكل مطلوب من مدخل إليه، وسبب يتوصل به نحوه، فلم ينفرد بالاختراع دون واسطة إلا العليم الأول جل ثناؤه (1) . فأول ما يستعمل طلاب الوصل وأهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم التعريض بالقول، إما بإنشاد شعر، أو بإرسال مثل، أو تعمية بيت، أو طرح لغز، أو تسليط كلام.

والناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم، وعلى حسب ما يرونه من أحبتهم من نفار أو أنس أو فطنة أو بلادة. وإني لأعرف من ابتدأ كشف محبته إلى من كان يحب بأبيات قلتها. فهذا وشبهه يبتدئ به الطالب للمودة، فإن رأى أنساً وتسهيلاً زاد، وإن يعاين شيئاً من هذه الأمور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا، أو إيراده لبعض المعاني التي حددنا، فانتظاره الجواب، إما بلفظ أو بهيئة الوجه والحركات، لموقف بين الرجاء واليأس هائل، وإن كان حيناً قصيراً، لكنه إشراف على بلوغ الأمل أو انقطاعه.

ومن التعريض بالقول جنس ثان، ولا يكون إلا بعد الاتفاق ومعرفة المحبة من المحبوب، فحينئذ يقع التشكي وعقد المواعيد


(1) مدخل هذا الفصل في غاية الغرابة: وهو قائم على المقارنة بين الخلق من لا شيء (الاختراع) وبين الفعل الإنساني الذي يعتمد على مقدمات.

<<  <  ج: ص:  >  >>