فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- 2 -

[باب علامات الحب]

وللحب علامات يقفوها الفطن (1) ، ويهتدي إليها الذكي. فأولها إدمان النظر؛ والعين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها، والمعبرة لضمائرها، والمعربة عن بواطنها. فترى الناظر لا يطرف، ينتقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه، ويميل حيث مال، كالحرباء مع الشمس، وفي ذلك أقول شعراً منه: [من الطويل]

فليس لعيني عند غيرك موقف ... كأنك ما يحكون من حجر البهت (2)


(1) بعض هذه العلامات قد نقله الحنبلي عن ابن حزم؛ انظر مجلة الأندلس (1951) ص: 327؛ وورد مثله في ديوان الصبابة: (10، 12، 13) وما بعدها، وقارن بما ذكره الوشاء من علامات (الموشى: 48، 51، 52) أما ابن القيم في روضة المحبين (262 وما بعدها) فقد تصرف بعبارات ابن حزم، ومثال ذلك قوله: فمنها ادمان النظر إلى الشيء وإقبال العين عليه، فإن العين باب القلب وهي المعبرة عن ضمائره والكاشفة لأسراره فترى ناظر المحب يدور مع محبوبه كيف دار، ويجول معه في النواحي والأفكار ومنها الاقبال على حديثه والقاء سمعه كله إليه يفرغ لحديثه سمعه وقلبه، وان ظهر منه إقبال على غيره فهو اقبال مستعار يستبين فيه التكلف لمن يرمقه ومنها البهت والروعة التي تحصل عند مواجهة الحبيب أو عند سماع ذكره، ولا سيما إذا رآه فجأة أو طلع عليه بغتة ومنها بذل المحب في رضا محبوبه ما يقدر عليه ومنها حب الوحدة والأنس بالخلوة والتفرد عن الناس الخ: قلت: رغم اعتماد ابن القيم على ما جاء في طوق الحمامة، فإنه يستنكر هذا النوع من الحب الذي يحمل هذه العلامات ويعده حباً حيوانياً.
(2) حجر يوجد في ساحل المحيط الأطلسي (بحر الظلمات) وهو مشهور عند أهل المغرب الأقصى، ويباع الحجر منه بقيمة جيدة لا سيما في بلاد لمتونة، وهم يحكون عن هذا الحجر أن من أمسكه وسار في حاجة قضيت له بأوفى عناية، وهو جيد عندهم في عقد الألسنة على زعمهم (الادريسي: صفة المغرب وأرض السودان، تحقيق دوزي ودي خويه، ليدن 1969 ص: 28 - 29 وانظر ملحق المعجمات العربية لدوزي مادة " بهت ") .

<<  <  ج: ص:  >  >>