فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْبَاب الثَّامِن عشر

فِي الْفرق بَين الدّين وَالْملَّة وَالطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَالْفَرْض وَالْوُجُوب والحلال والمباح وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك

الْفرق بَين الدّين وَالْملَّة

أَن الْملَّة اسْم لجملة الشَّرِيعَة وَالدّين اسْم لما عَلَيْهِ كل وَاحِد من أَهلهَا أَلا ترى أَنه يُقَال فلَان حسن الدّين وَلَا يُقَال حسن الْملَّة وَإِنَّمَا يُقَال هُوَ من أهل الْملَّة وَيُقَال لخلاف الذِّمِّيّ الملي نسب إِلَى جملَة الشَّرِيعَة فَلَا يُقَال لَهُ ديني وَتقول ديني دين الْمَلَائِكَة وَلَا تَقول ملتي مِلَّة الْمَلَائِكَة لِأَن الْملَّة اسْم للشرائع مَعَ الْإِقْرَار بِاللَّه وَالدّين مَا يذهب اليه الانسان ويعتقد أَنه يقربهُ إِلَى الله وَإِن لم يكن فِيهِ شرائع مثل دين أهل الشّرك وكل مِلَّة دين وَلَيْسَ كل دين مِلَّة واليهودية مِلَّة لِأَن فِيهَا شرائع وَلَيْسَ الشّرك مِلَّة وَإِذا اطلق الدّين فَهُوَ الطَّاعَة الْعَامَّة الَّتِي يجازي عَلَيْهِ بالثواب مثل قَوْله تَعَالَى (إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام)

وَإِذا قيد امتلف دلَالَته وَقد يُسمى كل وَاحِد من الدّين وَالْملَّة باسم الآخر فِي بعض الْمَوَاضِع لتاقر معنييهما وَالْأَصْل مَا قلنانا وَالْفرس تزْعم أَن الدّين لفظ فَارسي وتحتج بانهم يجدونه فِي كتبهمْ الْمُؤَلّفَة قبل دُخُول الْعَرَبيَّة أَرضهم بِأَلف سنة ويذكرون أَن لَهُم خطا يَكْتُبُونَ بِهِ كِتَابهمْ الْمنزل برعمهم يُسمى دين دوري أَي كِتَابَة الَّذِي سَمَّاهُ بذلك صَاحبهمْ زرادشت وَنحن نجد للدّين أصلا واشتقاقا صَحِيحا فِي الْعَرَبيَّة وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا نحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أعجمي وَإِن صَحَّ مَا قَالُوهُ فَإِن الدّين قد حصل فِي الْعَرَبيَّة والفارسية اسْما

لشَيْء وَاحِد على جِهَة الِاتِّفَاق وَقد يكون على جِهَة الِاتِّفَاق مَا هُوَ اعْجَبْ من هَذَا وَاصل الْملَّة فِي الْعَرَبيَّة المل وَهُوَ أَن يعدو الذِّئْب على شَيْء ضربا من الْعَدو فسميتالملة مِلَّة لاستمرار أَهلهَا عَلَيْهَا وَقيل أَصْلهَا التّكْرَار من قَوْلك طَرِيق مليل إِذا تكَرر سلوكه حَتَّى تُوطأ وَمِنْه الْملَل وَهُوَ تكْرَار الشَّيْء على النفقس حَتَّى تضجر وَقيل الْملَّة مَذْهَب جمَاعَة يحمي يعضهم لبَعض عِنْد الْأُمُور الْحَادِثَة واصلها من المليلة وَهِي ضرب من الْحمى وَمِنْه الْملَّة مَوضِع النَّار وَذَلِكَ أَنه إِذا دفن فِيهِ اللَّحْم وَغَيره تكَرر عَلَيْهِ الْحمى وَمِنْه الْملَّة مَوضِع النَّار وَذَلِكَ أَنه إِذا دفن

<<  <  ج: ص:  >  >>