فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وبالرغم من أن الوصية لا تجوز في ما لا يملكه المرء، وأمر المسلمين ليس ملكاً لأبي بكر، كما أن وصية المرء في ماله لا تجوز إلا في الثلث، ولغير الورثة، وعند انتفاء الضرار، وبالرغم من أن الوصية بالاستخلاف أمر استحدثه أبو بكر اجتهاداً منه للمسلمين لرأي رآه غالبيتهم ونصحوا به، وألحوا عليه فيه، جمعاً للكلمة واتقاءً للفتنة، فإن المسلمين عندما تلقوا عهد أبي بكر لعمر، لم يتنازعوا كما تنازعوا عند رسول الله (ص) ، وبايعوا عمر، وتجنبوا بذلك فتنة ما كانت لتذر أخضر ولا يابساً. وعندما ولي عمر أمر المسلمين، سار على النهج نفسه، مكرساً مساواة المسلمين في الحقوق والواجبات فلم يستأثر برأي، ولم يستكبر عن مشورة، وأبقى على مؤسسة الخلافة ملكاً للجميع سواسية. وهو وإن اعتمد في الفقه والقضاء والسياسة على آل البيت، فكان يستفتي عبد الله بن عباس على صغره، ويقول له: " غص يا غواص "، ويستشير علياً في الأمر كله، ويقول عنه عندما نهاه عن رجم من ولدت لستة أشهر، وعن رجم المرأة الحامل: " لولا علي لهلك عمر "، فإنه سار في أمر توزيع المسؤوليات التنفيذية على نهج يبعد عنها بني هاشم، بإسناده أهم الولايات إلى غيرهم حذر أن تتحول المناصب جسراً للاستئثار بالسلطة وتوارثها، لا سيما وهم أقرب الناس إلى استحقاقها. ثم لما حضرته الوفاة نصحه بعضهم باستخلاف ولده عبد الله (23) ، فأبى بشدة، وقال: "حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة، ليس له من الأمر شئ ". ثم التفت إلى ولده عبد الله فقال له: " يا عبد الله، إياك ثم إياك، لا تتلبس بها ". ثم كان آخر وصيته ألا يتحول أمر المسلمين إلى وراثة؛ فقال لعلي - رضى الله عنه -: " لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله (ص) ، وما آتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه، ولا تحمل أحداً من بني هاشم على رقاب الناس " وقال لعثمان: " يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله (ص) وسنك وشرفك وسابقتك، فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحداً من بني أمية على رقاب الناس ". وما كان عمر ينوي أن يوصي لأحد، لولا إلحاح المسلمين وإصرارهم، فهو عندما طالبوه بالاستخلاف أول الأمر، قال لهم: " والله لا أحملكم حياً وميتاً " (24) . أما في أواخر عهد عثمان - رضي الله عنه -، فقد حاد نظام الحكم عن النهج الرشيد، واستبدت قبيلة الخليفة من وراء ظهره بالأمر؛ فبدأ السوس ينخر مؤسسة الخلافة من داخلها، وتغلب الانتماء العائلي على الانتماء للجماعة، فكانت الفتنة التي ذر قرنها باغتيال عثمان مظلوماً، ثم باغتيال علي شهيداً. بعد أن رفض بإصرار أن يستخلف، اقتداءً منه برسول الله (ص) ، الذي لم يستخلف كما أخرج ذلك أحمد في مسنده بتحقيق أحمد شاكر (2/242 رقم 1078) بإسناد صحيح، عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن سبع،قال: " سمعت علياً يقول: " لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى؟ " قالوا: " يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته قال: " إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي قالوا: " فاستخلف علينا قال: " لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله (ص) " قالوا: " فما تقول لربك إذا أتيته؟ وقال وكيع مرة: " إِذا لقيته قال: " أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم ". ثم تحول أمر المسلمين بعد ذلك ملوكية وراثية استبدادية؛ على يد بني أمية سفيانيين ومروانيين، ومن رضي من دينه بأكلة دسمة أو دينار ذهب، أو درهم فضة. ثم وضع السيف في أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وكل من أنكر بيده أو لسانه أو قلبه. وبذلك تحقق ما أخبر به (ص) بقوله: " لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وأولهن نقضاً الحكم " (25) ؟ وقوله: " وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة " (26) . ولعل ما أصاب المسلمين إلى اليوم من محن بسبب فتنة الحكم، عقاب إلهي، لما تنازعوا أمام النبي (ص) عند احتضاره، ولا ينبغي عند نبي تنازع، ولعله لحِكَمٍ أخرى يعلمها الله وحده. وتربع معاوية على أريكة الملك الذي أسموه خلافة، وتخلص من مناوئيه بالسيف تارة، وبالرشوة أخرى؛ وشفى غيظ قومه باضطهاد آل البيت، وتسميم أعيانهم، ولعنهم على المنابر. ثم جمع الأتباع على بيعة ولده الفاسق " يزيد " (27) ، وأكره كرام الصحابة على ذلك تحت بارقة السيف؛ بل حتى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - الذي بايعه وبايع يزيد، قتله الحجاج بن يوسف غيلة بأخس ما تتفتق عنه ذهنية شيطان (28) . وخلف معاويةَ ولدُه يزيد، فشرب الخمر وجاهر بالفاحشة، وواصل قتل آل البيت واضطهاد الصحابة، واستباحة الحرمين الشريفين - مكة والمدينة -؛ فكان بذلك عهد بني أمية باباً للفتنة الصماء التي هاجت وماجت بالأمة، ومازالت تعيث فيها إلى عصرنا الحاضر، وفيما يستقبل إن لم يتداركنا الله بالرشد، ويهدنا للعودة إلى نبع القرآن الكريم.

[فترة الفتنة السياسية]

انتقضت عروة الحكم على يد بني أمية، فلم يحل ذلك دون انتشار الإسلام وتوسع رقعته، وامتداد آفاق الفتح ونور الدعوة؛ لأن قوة الدفع وزخم الاندفاع من عهد النبوة بقيا فاعلين في جميع الميادين الدعوية والثقافية والسلوكية والجهادية لقرون عدة، مكث فيها الملوك والسلاطين في قصورهم بين الجواري والغلمان، وانصرف خلالها الصادقون إلى ما هو خير لهم من فتنة الحكم، إلى الفتح والدعوة وتبليغ رسالة الإسلام. فأسسوا حضارة، وأناروا قلوباً وعقولاً، وامتد بذلك نفوذ الإسلام من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. إلا أن هذه الاندفاعية أخذت تفقد قوتها بفساد السلطة، وابتعاد الأمة عن مركز الانطلاق، مكاناً وزماناً، وثقافة وسلوكاً، وبمحاولات التشويه والتحريف والالتفاف على النصوص، ووضع الأحاديث والأخبار لأغراض سياسية. فتفرقت الأمة أحزاباً ومللاً ونحلاً واتخذت كل طائفة من الكتاب والسنة بتأويل يخدم هدفها، ومن الآثار الموضوعة والمنكرة والضعيفة مستنداً ومرجعاً؛ فأدى ذلك كله إلى الانشقاق في السلطة السياسية المركزية، وانفراط عقد الدولة الإسلامية الواحدة، وأخذت تظهر في أطراف المملكة الأموية ثم العباسية بعدها دويلات مستقلة؛ فظهرت في الغرب الإسلامي: دولةالأمويين بالأندلس سنة 139 هـ - 756 م والأدارسة بالمغرب سنة 172 هـ - 788 م والأغالبة بتونس سنة 184 هـ - 800 م والطولونيين بمصر سنة 254 هـ - 868 م والفاطميين بمصر سنة 298 هـ - 909 م والإخشيديين بمصر سنة 323 هـ - 934 م والكلبيين بصقلية سنة 336 هـ - 947 م

<<  <   >  >>