فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اعلم أن تفاوتَ أهلِ النارِ في العذاب هو بحسبِ تفاوتِ أعمالِهِم التي

دخلُوا بها النارَ، كما قال تعالى: (وَلِكَلٍّ دَرَجَاتٌ ممَا عَمِلُوا) .

وقال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) ، قال ابنُ عباسٍ: وافقَ أعمالَهُم، - فليسَ

عقابُ من تغلظ كفرُهُ وأفسدَ في الأرضِ ودعا إلى الكفرِ كمن ليس كذلك.

قال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) .

وقال تعالى: (وَيَوْمَ تَفوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ) ..

وكذلك تفاوتُ عذابِ عصاةِ الموحدينَ في النارِ بحسبِ أعمالِهِم، فليس

عقوبةُ أهلِ الكبائرِ كعقوبةِ أصحابِ الصغائرِ، وقد يخفف عن بعضِهِم

العذابُ بحسناتٍ أُخرَ له أو بما شاءَ اللَّهُ من الأسبابِ، ولهذا يموتُ بعضُهم

في النارِ، كما سيأتي ذكرُهُ فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.

وأما الكفار إذا كانَ لهم حسنات في الدنيا من العدلِ والإحسانِ إلى الخلقِ

فهل يخففُ عنهم بذلكَ من العذابِ في النارِ أم لا؟

هذا فيه قولان للسلفِ وغيرِهم:

أحدُهُما: أنه يخففُ عنهم بذلك أيضًا، ورَوى ابنُ لهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينار عن سعيدِ بن جبيرٍ معنى محذا القولِ، واختارَهُ ابنُ جرير الطبريُّ وغيرُهُ.

وروى الأسودُ بنُ شيبانَ عن أبي نوفل قال: قالتْ عائشةُ: يا رسول الله

أينَ عبدُ اللَّهِ بنُ جدعان؟

قال: "في النارِ" فجزعتْ عائشةُ واشتدَّ عليها، فلمَّا

رأى رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذلك قال:

"يا عائشةُ ما يشتدُّ عليك من هذا؟ "

قالت: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّه، إنه كان يطعمُ الطعامَ ويصلُ الرَّحمَ، قال: "إنه يهونُ

<<  <  ج: ص:  >  >>