للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٢٠٤ - مقدار الوقت الفاصل بين الأذان والإقامة]

يقول السائل: هل هنالك وقتٌ مقدرٌ شرعاً للفصل بين الأذان والإقامة للصلوات الخمس، أفيدونا؟

الجواب: المصلي إما أن يصلي منفرداً أو يصلي مع الجماعة، فإن صلى منفرداً، فالأفضل في حقه أن يصلي في أول الوقت، لما ثبت في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها) رواه البخاري ومسلم، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله) رواه مسلم. قال ابن بطال: [إن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب] فتح الباري ٢/٢٩٤. وأما إذا صلى المصلي مع الجماعة، فإن الثابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجود فاصل زمني بين الأذان والإقامة، ويدل على ذلك عدة أحاديث منها: حديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بين كل أذانين صلاة - ثلاثاً-لمن شاء) رواه البخاري ومسلم، وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة] ثم روى الحديث السابق، والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم (بين كل أذانين صلاة) أي بين الأذان والإقامة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [بين كل أذانين أي أذان وإقامة، ولا يصح حمله على ظاهره، لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والخبر ناطق بالتخيير لقوله (لمن شاء) ، وأجرى المصنف الترجمة مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد، وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب، كقولهم القمرين، الشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان، لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت] فتح الباري ٢/١٤١. ومنها حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيءٌ) رواه البخاري، وقوله (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء) أي لم يكن بينهما شيءٌ كثيرٌ، كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢/١٤٢. وجاء في رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقيل له: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا) رواه مسلم. وعن عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين، قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء) كراهية أن يتخذها الناس سنة. رواه البخاري، والمراد بالصلاة قبل المغرب، أي بين الأذان والإقامة. ومنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة) رواه البخاري. ومنها حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَسَاً، يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي المتوضئ حاجته في مهل) رواه أحمد وفي سنده كلام لأهل الحديث، قال الإمام الشوكاني: [والحديث يدل على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة، وكراهة الموالاة بينهما لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها؛ لأن من كان على طعامه، أو غير متوضئ حال النداء؛ إذا استمر على أكل الطعام أو توضأ للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل، لاسيما إذا كان مسكنه بعيداً من مسجد الجماعة، فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البر والتقوى المندوب إليها] نيل الأوطار ٢/١٠. ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (يا بلال، إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني) رواه الترمذي وقال الإمام النووي: إسناده ضعيف، المجموع ٣/١١٨، وضعفه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ٢٢٨. والمعتصر هو الذي يريد قضاء حاجته ليتأهب للصلاة قبل دخول وقتها كما في النهاية لابن الأثير ٣/٢٢٣. وعن عن سالم أبي النضر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج بعد النداء إلى المسجد، فإن رأى أهل المسجد قليلاً جلس حتى يجتمعوا ثم يصلي) رواه البيهقي وإسناده قوي مع إرساله كما قال الحافظ في فتح الباري ٢/١٤٤. والذي تدل عليه هذه الأحاديث وغيرها هو مشروعية الفاصل الزمني بين الأذان والإقامة، وتقدير الفاصل الزمني بعدد معين من الدقائق كما هو المتعارف عليه الآن، لا بأس به، والمرجع في ذلك هو تمكين المصلين من ترك أعمالهم وإجابة الأذان وحضورهم إلى المسجد، واجتماعهم لصلاة الجماعة، ومطلوب من إمام المسجد أن يقدر ظروف المصلين وأحوالهم، فإذا كان المسجد في السوق أو قريباً منه، أو كان المصلى في مؤسسة كالجامعة مثلاً، فمطلوب تقصير الوقت بين الأذان والإقامة، حتى لا يلحق ضرراً بالمصلين من رواد السوق أو الموظفين والطلبة، وإذا كان المسجد في حي من الأحياء فلا بأس من إطالة وقت الانتظار بين الأذان والإقامة، وخاصة في صلاة الفجر فقد جرى عرف كثير من المساجد على جعل الوقت بين الأذان والإقامة ثلاثين دقيقة أو نحوها، فهذا أمرٌ حسنٌ، كي يستيقظ الناس ويتهيئوا للصلاة، وأما في صلاة المغرب خصوصاً، فينبغي تقصير وقت الانتظار بين الأذان والإقامة، لأن وقتها فيه ضيق وللأمر بتعجيلها ومراعاةً للخلاف. إذا تقرر هذا فلا بد من تذكير إخواننا المصلين بأنه لا داعي للخلافات حول وقت الانتظار بين الصلوات، فإذا زاد الوقت دقيقة أو بضع دقائق أو نقص، فلا حرج في ذلك، وينبغي التذكير بأن المسلم الذي ينتظر الصلاة فهو في صلاة، كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث، اللهم اغفر له اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى عند أبي داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال العبد في صلاةٍ ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث) ، وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أخَّر ليلةً صلاة العشاء إلى شطر الليل ثم أقبل بوجهه بعدما صلَّى فقال: صلَّى الناس ورقدوا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها) رواه البخاري، وينبغي لمن جلس منتظراً إقامة الصلاة أن يشتغل بالدعاء والذكر، ولا ينشغل بأحاديث الدنيا، فقد ورد في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يردُّ الدعاءُ بين الأذان والإقامة) رواه النسائي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/٦٥. وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة) رواه مسلم. وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة) رواه مسلم. فإذا دعا المسلم بهذه الأدعية أو بعضها تفرغ لصلاة السنة، ومن ثم يقرأ ما تيسر من الكتاب الكريم أو ذكر الله تعالى أو دعاه أو سكت، وإن تكلم فبكلام مباح ولا يشوش على المصلين.

وخلاصة الأمر أن الفاصل الزمني بين الأذان والإقامة مشروع وثابت بالسنة النبوية، وتعيين مقداره مرجعه لإمام المسجد الذي يقدر مصلحة المصلين، بما يمكنهم من الاستعداد لصلاة الجماعة، وينبغي أن يعلم أن منتظر الصلاة فهو في صلاة وعليه أن يشغل نفسه بالذكر والدعاء وقراءة القرآن.

<<  <  ج: ص:  >  >>