للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٢٢ - رجوع الوالد فيما وهبه لولده]

يقول السائل: أعطاني والدي قطعة أرض فبنيت عليها بيتاً، وبنيت حوله سوراً، ووصلته بشبكة الكهرباء والماء والهاتف، وكلفني ذلك مبلغاً كبيراً من المال، وسكنته مع عائلتي، والآن وبعد مضي سنوات وبضغوط من إخوتي يطالبني والدي باسترجاع قطعة الأرض، حيث إن والدي لم يعطهم مثلما أعطاني، فهل يجوز لوالدي أن يسترجع قطعة الأرض مني، أفيدونا؟ الجواب: صح في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) رواه البخاري. وقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاء بعض الأولاد شيئاً دون الآخرين من الجور، فقد ورد في الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: قالت امرأة بشير: إنحل – أي أعط – ابني غلاماً وأشهد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (له إخوة؟ قال: نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته. قال: لا. فقال له عليه الصلاة والسلام: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) رواه مسلم. وفي روايةٍ أخرى قال صلى الله عليه وسلم: (لا تشهدني على جور إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم) رواه أبو داود. وفي روايةٍ أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير والد النعمان: (لا تشهدني على جورٍ، أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم. قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح. ومما يدل على أنه يجب على الأب أن يسوي بين أولاده في الهبات والعطايا قوله صلى الله عليه وسلم: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح. وقوله صلى الله عليه وسلم: (سووا بين أولادكم في العطية لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي، وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن. وقوله صلى الله عليه وسلم: (اعدلوا بين أولادكم في النِِحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر) رواه مسلم. وبناءً على هذه النصوص قرر العلماء أن الأصل في هبة الوالد لأولاده العدل ولا ينبغي له أن يفاضل بينهم إلا لموجب شرعي. والوالدة كالوالد في المنع من المفاضلة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ، ولأنها أحد الوالدين، فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها ,، فثبت لها مثل حكمه في ذلك.] المغني ٦/٥٤-٥٥.

وقرر جمهور أهل العلم أنه لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهبه لولده، لورود الأدلة المخصصة للوالد من هذا الحكم، وهو حرمة الرجوع في الهبة كما سأذكر لاحقاً، ويدل على حرمة رجوع الواهب في هبته أحاديث منها: عن قتادة قال: سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه) رواه البخاري. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب، يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله) رواه مسلم. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على تحريم الرجوع في الهبة، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته] ثم ذكر حديثي ابن عباس، الأول والثاني، انظر فتح الباري ٦/١٦٢ - ١٦٣. وقال الإمام النووي: [باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده، وإن سفل] شرح صحيح مسلم ٤/٢٣٦. وينبغي للواهب أن يعلم أن العائد في هبته قد شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالكلب الذي يقيء، ثم يعود فيأكل منه، وهذا مثل سوءٍ، فلا ينبغي للمسلم أن يتمثل بالكلب، وقد جاء في الحديث أنه ينبغي تعريف الواهب الذي يريد الرجوع في هبته بهذا المثل حتى يرتدع فلا يعود في هبته، فقد روى أبو داود بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب، يقيء فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب فليتوقف فليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب) رواه ابن ماجة، وقال العلامة الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٦٧٦. وأما استثناء الوالد من الحكم السابق، فيجوز للوالد الرجوع فيما وهبه لولده، كما هو مذهب جمهور الفقهاء، فلما صح في الحديث عن طاووس، عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبةً فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب، يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه) رواه أصحاب السنن وأحمد، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه، وصححه العلامة الألباني أيضاً. ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد في إحدى روايات حديث النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا، فقال: لا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير: (فاردده) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعاً وعلى تقدير كونه رجوعاً فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك] فتح الباري ٦/١٤٣. وقد ألحق أكثر الفقهاء الأم بالأب في جواز الرجوع في الهبة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فصل: وظاهر كلام الخرقي أن الأم كالأب في الرجوع في الهبة لأن قوله وإذا فاضل بين أولاده يتناول كل والد ثم قال في سياقه: أمر برده فيدخل فيه الأم وهذا مذهب الشافعي لأنها داخلة في قوله (إلا الوالد فيما يعطي ولده) ، ولأنها لما دخلت في قول النبي صلى الله عليه وسلم (سووا بين أولادكم) ينبغي أن يتمكن من التسوية والرجوع في الهبة، طريق في التسوية وربما تعين طريقاً فيها إذا لم يمكن إعطاء الآخر مثل عطية الأول، ولأنها لما دخلت في المعنى في حديث بشير بن سعد، فينبغي أن تدخل في جميع مدلوله لقوله (فاردده) ، وقوله (فأرجعه) ، ولأنها لما ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضله به تخليصاً لها من الإثم وإزالة للتفضيل المحرم كالأب، والمنصوص عن أحمد أنه ليس لها الرجوع، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله الرجوع للمرأة فيما أعطته ولدها كالرجل؟ قال ليس هي عندي في هذا كالرجل لأن للأب أن يأخذ من مال ولده والأم لا تأخذ وذكر حديث عائشة: (أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه) أي كأنه الرجل، قال أصحابنا: والحديث حجة لنا، فإنه خص الوالد وهو بإطلاقه إنما يتناول الأب دون الأم، والفرق بينهما أن للأب ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث والأم بخلافه، وقال مالك للأم الرجوع في هبة ولدها ما كان أبوه حياً فإن كان ميتاً فلا رجوع لها، لأنها هبة ليتيم، وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع، ومن مذهبه أنه لا يرجع في صدقة التطوع] المغني ٦/٥٥-٥٦. إذا تقرر هذا فإن جمهور الفقهاء الذين أجازوا للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده اشترطوا شروطاً حتى يصح رجوعه فيما وهبه لولده، الأول: أن تكون الهبة باقية في ملك الابن فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو إرث ونحوه من كل ما يخرج الشيء الموهوب عن ملك الموهوب له, فمثل هذا الخروج يمنع الوالد من الرجوع في الهبة.

الثاني: عدم تعلق حق الغير بالموهوب كأن يداين الناس الموهوب له نظراً لملاءة ذمته لما وهب له, وذلك إعمالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ، رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني وغيرهم وهو حديث صحيح.

الثالث: عدم هلاك الموهوب أو استهلاكه لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته, لأنها ليست بموهوبة لعدم ورود العقد عليها, وقبض الهبة غير مضمون. الرابع: أن لا تزيد زيادة متصلة كأن يكون الموهوب أرضاً فيبني عليها. انظر المغني ٦/٥٦-٥٨.

وخلاصة الأمر أن المطلوب من الوالد والوالدة أن يعدلا في الهبة لأولادهما، وأنه يجوز للوالد وكذا للوالدة الرجوع فيما وهبا لولدهما، ولكن بشروط ومنها أن لا يحدث الولد في الموهوب زيادة متصلة كما في السؤال، فلا يجوز للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده ما دام أن الولد قد أحدث تغييراً في الأرض بالبناء عليها حيث بنى الولد عليها بيتاً، وبنى حوله سوراً، ووصله بشبكة الكهرباء والماء والهاتف، وكلفه ذلك مبلغاً كبيراً من المال.

<<  <  ج: ص:  >  >>