فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[209 - حكم استعمال الجدول الصيني لتحديد جنس الجنين]

تقول السائلة: إنها أنجبت سبع بنات وترغب في إنجاب ولد ذكر، وقد نُصحت باستعمال الجدول الصيني، فإنه يفيد في اختيار جنس المولود، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟

الجواب: الأولاد من زينة الحياة الدنيا التي جبلت عليها النفوس، قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وقال سبحانه وتعالى أيضاً: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} وكثيرٌ من الناس يكره قدوم الإناث ويرغب في الذكور كما قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} سورة النحل الآيتان 58-59. وإنجاب الذكور والإناث من عطاء الله عز وجل كما قال سبحانه وتعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} سورة الشورى الآيتان 49-50. ومع ذلك فإن من الأنبياء من سأل الله عز وجل أن يرزقه الذكور كما قال تعال على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} سورة الصافات الآيتان 100-101 وقال تعالى على لسان زكريا عليه السلام: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ} سورة آل عمران الآيتان 38-39. ومحاولة اختيار جنس الجنين عُرفت على مدى العصور والأيام واتبعت وسائل كثيرة لذلك، ومنها برنامج الحمل الصيني ويسمى أيضاً"جدول الحمل الصيني" وهو من أشهر الجداول في العالم، وهو جدول صيني قديم يعتبر من أسرار الحضارة الصينية والذي بُني على علم الفلك، ووظيفة هذا الجدول تتلخص بأنها توضح احتمال تحديد نوع الجنين إذا كان ذكراً أم أنثى حسب نقطة تقاطع عمر المرأة مع الشهر الذي تم فيه الحمل (الإخصاب) على مدار الإثني عشر شهراً من السنة. وهو مرتبط بعلم الفلك والكون حسب زعمهم وقد ينجح مع شخص ويفشل مع آخر. ولكن هناك بعض المحللين للجدول يقولون إن الجدول الحقيقي مختلف عن الجدول المنتشر حيث إن الصينيين كانوا يتبعون الأشهر القمرية الصينية والعمر القمري وليس الميلادي] موسوعة ويكبيديا.wikipedia.org "ويعتبر البرنامج الصيني من المحاولات الساعية للتدخل في جنس المولود، حيث قدمه الصينيون قبل ما يتجاوز سبعمائة عام، عندما عكف علماء الفلك القدامى لديهم لإيجاد علاقات فلكية خاصة بين عمر الجنين وعمر الأم وربطها بعوامل خمس هي الماء، الأرض، الخشب، النار والمعدن. كما اعتمد البرنامج الصيني على فرضيات فلكية وضعها الصينيين بهدف تحديد نوع الجنين، ويؤكد الصينيون أن صحة هذا الجدول تبلغ 90%. تقول الأساطير أن المخطوطة الأصلية الصينية للمواليد كانت مدفونة في قبر ملكي بالقرب من بكين في الصين منذ سبعمائة سنة مضت. والمخطوطة اليوم معروضة في معهد بكين العلمي، يمكن من خلالها التنبؤ إذا كان المولود ذكراً أو أنثى، وذلك عن طريق مقارنة عمر الأم القمري والشهر الذي تكون فيه الجنين -التبويض- " http://albahethah.com/GirlBoy.aspx. وواضح مما كتب ونشر عن الجدول الصيني أن له خلفيات لا يقرها شرعنا الحنيف من حيث زعمهم أن الكواكب والنجوم لها تأثير في حياة الإنسان وكونه ذكراً أو أنثى، وهذا الأمر داخلٌ في التنجيم الذي حرمه الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل] مجموع الفتاوى 35/192. فالجدول الصيني نوع من أعمال الكهان والعرافين والمنجمين، وربطه بعض الباحثين بالبوذية، وبناءً على هذه المعطيات فإن القول بتحريم استعمال الجدول الصيني هو القول الصحيح في حالة اعتقاد من تستعمله بتأثير الكواكب والنجوم في تحديد جنس الجنين، وقد صدرت عدة فتاوى بتحريم استعماله كما في فتوى اللجنة الدائمة السعودية حيث ورد فيها: [معرفة نوع المولود هل هو ذكر أم أنثى قبل تخليقه: لا يعلمه إلا الله سبحانه، وأما بعد تخليقه: فيمكن ذلك بواسطة الأشعة الطبية، مما أقدر الله عليه الخلق. وأما تحديد نوعه بموجب الجدول المشار إليه: فهو كذب، وباطل؛ لأنه من ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ويجب إتلاف هذا الجدول وعدم تداوله بين الناس] " فتاوى اللجنة الدائمة 2/17. وقال الشيخ محمد الحمود النجدي: [فما يسمى " الجدول الصيني " هو ضرب من ضروب الكهانة والرجم بالغيب، فهم يزعمون أنه من الممكن التحكم في جنس المولود عن طريق معرفة عمر الأم، ومعرفة تاريخ بداية الحمل؟ فبمعرفة عمر الأم، يمكنها تحري الإخصاب في الشهر الذي يكون معه الحمل إما ذكر، أو أنثى! وعلى الأم أن تضيف سنة على عمرها الحقيقي! لأن هذا هو العمر في التقويم الصيني! ففيه محظوران شرعيان: الأول: زعمهم أن من كان عمرها كذا، وحملت في الشهر المعيَّن: يكون حملها ذكراً، أو أنثى- بحسب الجدول -. والثاني: أنه يستعمل لمن حملت أصلاً لتعرف جنس جنينها! ولا علاقة لعمر الأم وتاريخ حملها، بتحديد جنس جنينها لا من الناحية الطبية، ولا من الشرع، وما كان كذلك، فإنه يكون شركاً، فلا يجوز جعل ما ليس بسبب سبباً، ومن فعل فقد شارك الله في فعله. ويظهر أن هذا الجدول له تعلق بالديانة الصينية البوذية، أو علم النجوم والأبراج.] موقع الشيخ الأثري www.al-athary.net. ولا بد من التذكير بما قرره أهل العلم المعاصرون في مسألة تحديد جنس الجنين، فقد بحثت هذه القضية ونوقشت في مقالات وأبحاث وناقشها المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي وصدر عنه القرار التالي: [ ... فإن المجمع يؤكد على أن الأصل في المسلم التسليم بقضاء الله وقدره، والرضا بما يرزقه الله؛ من ولد، ذكراً كان أو أنثى، ويحمد الله تعالى على ذلك، فالخيرة فيما يختاره الباري جل وعلا، ولقد جاء في القرآن الكريم ذم فعل أهل الجاهلية من عدم التسليم والرضا بالمولود إذا كان أنثى قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ، ولا بأس أن يرغب المرء في الولد ذكراً كان أو أنثى، بدليل أن القرآن الكريم أشار إلى دعاء بعض الأنبياء بأن يرزقهم الولد الذكر، وعلى ضوء ذلك قرر المجمع ما يلي: أولاً: يجوز اختيار جنس الجنين بالطرق الطبيعية؛ كالنظام الغذائي، والغسول الكيميائي، وتوقيت الجماع بتحري وقت الإباضة؛ لكونها أسباباً مباحة لا محذور فيها. ثانياً: لا يجوز أي تدخل طبي لاختيار جنس الجنين، إلا في حال الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية، التي تصيب الذكور دون الإناث، أو بالعكس، فيجوز حينئذٍ التدخل، بالضوابط الشرعية المقررة، على أن يكون ذلك بقرار من لجنة طبية مختصة، لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة من الأطباء العدول، تقدم تقريراً طبياً بالإجماع يؤكد أن حالة المريضة تستدعي أن يكون هناك تدخل طبي حتى لا يصاب الجنين بالمرض الوراثي، ومن ثم يعرض هذا التقرير على جهة الإفتاء المختصة لإصدار ما تراه في ذلك. ثالثاً: ضرورة إيجاد جهات للرقابة المباشرة والدقيقة على المستشفيات والمراكز الطبية؛ التي تمارس مثل هذه العمليات في الدول الإسلامية، لتمنع أي مخالفة لمضمون هذا القرار. وعلى الجهات المختصة في الدول الإسلامية إصدار الأنظمة والتعليمات في ذلك] . ومن أهل العلم المعاصرين من أجاز تحديد جنس الجنين للحاجة وليس للضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية كما ورد في قرار المجمع، فأجاز هؤلاء تحديد جنس الجنين بضوابط تضبط الأمر، ومنها: الأول: ألا تكون عملية تحديد جنس الجنين قانوناً ملزماً، وسياسةً عامةً. وقصر الجواز على تحقيق الرغبات الخاصة للأزواج في اختيار جنس الجنين. الثاني: قَصْرُ عملية تحديد جنس الجنين بما إذا دعت إليه الحاجة، أما في حال عدمها فترك الأمر على طبيعته دون تدخل هو المسلك القويم. فقد أثبتت إمكانية تحديد جنس الجنين الفعالية في حل كثير من المشكلات الاجتماعية والطبية، كتحقيق رغبة الزوجين في إنجاب مولود من جنس معين، بعدما أنجبوا لمرات عدة من الجنس الآخر. كما أنها أثبتت فاعلية في التقليل من احتمالات الإصابة بالأمراض الوراثية التي تنتقل إلى أحد الجنسين ... الثالث: اتخاذ الضمانات اللازمة والتدابير الصارمة لمنع أي احتمال لاختلاط المياه المفضي إلى اختلاط الأنساب. الرابع: التأكيد على حفظ العورات وصيانتها من الهتك، وذلك من خلال قصر الكشف على موضع الحاجة قدرًا وزمانًا، وأن يكون من الموافق في الجنس درء للفتنة ومنعًا لأسبابها. الخامس: المراقبة الدائمة من الجهات ذات العلاقة لنسب المواليد وملاحظة الاختلال في النسب واتخاذ الإجراءات المناسبة من القوانين والتنظيمات لمنعه وتوقيه كما جرى في ماليزيا والصين. السادس: أن يكون تحديد جنس الجنين بتراضي الوالدين: الأب والأم. لأن لكل واحد منهما حقاً في الولد فإن اختلفا. فالأصل بقاء الأمر على حاله دون تدخل في التحديد درءً لمفسدة الشقاق. السابع: اعتقاد أن هذه الوسائل ما هي إلا أسباب وذرائع لإدراك المطلوب لا تستقل بالفعل ولا تخرج عن تقدير الله وإذنه، فلله الأمر من قبل ومن بعد {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} رؤية شرعية في تحديد جنس الجنين للمصلح ص 20-21.

وخلاصة الأمر أنه لا يجوز استخدام الجدول الصيني لاختيار جنس الجنين نظراً لربطه بين النجوم والكواكب وجنس المولود، وأنه نوع من التنجيم والكهانة، ويجوز اختيار جنس الجنين للحاجة وفق الضوابط المذكورة أعلاه.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير