للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[النوع الثالث عشر: في عكس الظاهر]

وهو نفي الشيء بإثباته، وهو من مستطرفات علم البيان، وذاك أنك تذكر كلاما يدل ظاهره أنه نفي لصفة الموصوف، وهو نفي للموصوف أصلًا.

فمما جاء منه قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في وصف مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا تنثى فلتاته" أي لا تذاع سقطاته.

فظاهر هذا اللفظ أنه كان ثم فلتات، غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد أنه لم يكن ثم فلتات فتثنى.

وهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية، وقد ورد في الشعر كقول بعضهم١:

ولا ترى الضّبّ بها ينجحر٢

فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضب، ولكنه غير منجحر، وليس كذلك، بل المعنى أنه لم يكن هناك ضب أصلًا.

وهذا النوع من الكلام قليل الاستعمال، وسبب ذلك أن الفهم يكاد يأباه، ولا يقبله إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه، وما كان عاريا عن قرينة، فإنه لا يفهم منه ما أراد قائله.

وسأوضح ذلك فأقول: أما قولنا عن مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا تنثى فلتاته"، فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك فلتات إلا أنها تطوى، ولا تنشر، وتكتم ولا تذاع، ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة خارجة عن اللفظ، وهي أنه قد ثبت في النفوس، وتقرر عند العقول، أن مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم: منزه عن فلتات تكون به


١ وهو عمرو بن أحمر الباهلي من أبيات يصف فيها فلاة.
٢ صدر هذا البيت قوله:
لا تفزع الأرنب أهوالها

<<  <  ج: ص:  >  >>