للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابن العميد واستمر على هذا الوزراء من بعده، إلى زمننا قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي وغيره:

أن السفاح خطب يوما فسقطت العصا من يده، فتطير بذلك، فقام شخص من أصحابه ومسح العصا وناوله إياها وأنشد «١» :

فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر

فسرّي عنه، وذكر ابن خلكان في ترجمته «٢» ، أنه نظر يوما في المرآة، وكان من أجمل الناس وجها فقال: اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك، ولكني أقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك، متمتعا بالعافية، قال: فما استتم كلامه، حتى سمع غلاما يقول لغلام آخر:

الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامه. وقال: حسبي الله ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه استعنت فما مضت الأيام المذكورة حتى أخذته الحمى فمرض ومات، بعد شهرين وخمسة أيام بالجدري، بالأنبار بمدينته التي بناها وسماها الهاشمية. وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة ونصف سنة وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. وكان أبيض مليحا جميلا حسن اللحية والهيئة.

[خلافة أبي جعفر المنصور]

ثم قام بالأمر بعده أخوه أبو جعفر، عبد الله بن محمد المنصور. بويع له بالخلافة يوم وفاة أخيه، بعهد منه. وكان السفاح قد ولاه إمرة الحج فأتته الخلافة بمكان يعرف بالصافية، فقال:

صفا أمرنا إن شاء الله تعالى. فبايعه الناس وحج بهم فلما رجع ودخل الهاشمية بايعه الناس البيعة العامة. وإنه حج ثانيا فلما قرب من مكة رأى على جدار سطرين مكتوبين وهما «٣» :

أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع

أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من ريب المنية دافع

فلما قرأهما تيقن انقضاء أجله فمات بعد ثلاثة أيام وكان قد رأى في نومه قبل موته قائلا يقول «٤» :

كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وعّري منه أهله ومنازله

وصار رئيس القوم من بعد بهجة ... إلى جدث تبنى عليه جنادله

وكانت وفاته في سنة ثمان وخمسين ومائة، ببئر ميمونة على أميال من مكة، وهو محرم بالحج وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما. وأمه بربرية، وكان طويلا أسمر نحيفا، خفيف اللحية رحب الجبهة، كأن عينيه لسانان،

<<  <  ج: ص:  >  >>