للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غَيْرِ مُعَيَّنٍ، لَمْ تَجُزْ لَهُ رِوَايَتُهُ (١) شَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ حَدِيثًا، وَشَكَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، فَلَيْسَ لَهُ الرِّوَايَةُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ وَاحِدٍ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَشْكُوكَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَالرِّوَايَةُ مَعَ الشَّكِّ مُمْتَنِعَةٌ.

نَعَمْ، لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَسَمَاعِهِ مِنْهُ، فَهَذَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ.

فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ، كَمَا فِي الشَّهَادَةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: تَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ وَالْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّتُهُ.

وَلِهَذَا فَإِنَّ آحَادَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَحْمِلُونَ كُتُبَ الرَّسُولِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ فِي أُمُورِ الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ الْأَخْذُ بِهَا بِإِخْبَارِ حَامِلِهَا أَنَّهَا مِنْ كُتُبِ الرَّسُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا فِيهَا مِمَّا سَمِعَهُ الْحَامِلُ، وَلَا الْمَحْمُولُ إِلَيْهِ لِكَوْنِهَا مُغَلِّبَةً عَلَى الظَّنِّ.

وَلَا كَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ فِيهَا مِنَ الِاحْتِيَاطِ مَا لَمْ يُعْتَبَرْ مِثْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.

وَعَلَى هَذَا، فَلَوْ قَالَ عَدْلٌ مِنْ عُدُولِ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، إِنَّهُ صَحِيحٌ، فَالْحُكْمُ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ بِهِ وَالْخِلَافِ فِيهِ، كَمَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ يَرْوِيهِ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا ظَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ.


(١) رِوَايَتُهُ - الصَّوَابُ رِوَايَةٌ.

<<  <  ج: ص:  >  >>