للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ إِذَا حَكَمَ النَّبِيُّ بِحُكْمٍ فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ وَذَكَرَ عِلَّتَهُ أَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ]

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ

مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمٍ فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ، وَذَكَرَ عِلَّتَهُ أَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ.

وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقِّ أَعْرَابِيٍّ مُحْرِمٍ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: " «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» " وَكَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ: " «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا» " وَكَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا، عَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّ حُلْوٍ.

وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنِ ادَّعَى عُمُومَ الْحُكْمِ نَظَرًا إِلَى الصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَحَلٍّ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ، لَكَانَ لِلْوَكِيلِ إِذَا قَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ: أَعْتِقْ عَبْدِي سَالِمًا لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ أَسْوَدَ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبِيدِي السُّودَانَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ (١) .

وَإِنْ قِيلَ بِالْعُمُومِ نَظَرًا إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّعْمِيمِ فِي الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ شَرْعًا مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدِي سَالِمًا لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ إِذِ الْوَكِيلُ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ لَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ.

وَعَلَى هَذَا فَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الْعِلَّةِ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحُكْمِ عَامًّا لِغَيْرِ مَحَلِّ التَّنْصِيصِ.

وَمَا يَقُولُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَعْرَابِيِّ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ مَوْتِهِ مُسْلِمًا مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ مَحْشُورًا مُلَبِّيًا وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا بِمُجَرَّدِ إِحْرَامِهِ، وَفِي قَتْلَى أُحُدٍ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ فِي الْجِهَادِ وَتَحَقُّقِ شَهَادَتِهِمْ، لَا بِمُجَرَّدِ الْجِهَادِ.

وَفِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ لِكَوْنِهِ حُلْوًا مُسْكِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.

وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مُنْقَدِحًا غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ مِنْ تَعْلِيلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ وَالْجِهَادِ، وَتَرْكُ مَا ظَهَرَ مِنَ التَّعْلِيلِ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مُمْتَنِعٌ.


(١) انْظُرْ مَا قَالَهُ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ فِي الْمُعَارَضَةِ السَّادِسَةِ بِالْبَابِ الرَّابِعِ مِنْ أَبْوَابِ الْقِيَاسِ، وَقَارِنْ بَيْنَ كَلَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ

<<  <  ج: ص:  >  >>