<<  <   >  >>

[الأمر الثاني: التركيز على الجانب العقدي]

ظلّ النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد الخالص. وهذا أمر معلوم، لكن ليس معنى هذا أنه لم يكن يدعو إلا إلى التوحيد فقط، بل كان يدعو إلى صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، والنهي عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة (1) ، إلاّ أن تركيزه صلى الله عليه وسلم على الجانب العقدي كان أكثر. والحق أن التركيز على الجانب العقدي في غاية الأهمية؛ لأنّ الإيمان إذا وقر في القلب انتفت جميع الشوائب المؤدية إلى زعزعة الإيمان، وقد آتت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المكية وتركيزه على الجانب العقدي ثمارها يلحظ من قرأ تاريخ حروب الردة التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد أحداً ارتد من المهاجرين والأنصار أبداً، وما ذلك إلا لرسوخ الإيمان في قلوبهم رضوان الله عليهم أجمعين.

وعلى هذا فالواجب على الدعاة اليوم غرس العقيدة الصحيحة في النفوس أولاً مع الاهتمام أيضاً بالجوانب الأخرى التي مرّ ذكرها آنفاً.

وعندما يركز الداعية اهتمامه على الجانب العقدي، فلا بد أن يدرك معنى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (2) .

والحقّ أنّ تلك المضغة إذا وقر الإيمان فيها، منعت صاحبها من الوقوع في الفواحش بأنواعها.


(1) انظر: مسند أحمد (3/266،263) ، رقم (1740) من حديث أم سلمة، وهو حديث حسن، فقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث.
(2) البخاري، رقم (52) ، ومسلم، رقم (4094) .

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير