<<  <   >  >>

[الفصل الخامس: الدولة العربية القديمة في اليمن]

[مدخل]

...

الفصل الخامس: الدول العربية القديمة في اليمن

كان للصفات الجغرافية التي اتصفت بها بلاد العرب أثر كبير في حياة العرب وعاداتهم ومعيشتهم وتنظيمهم الاجتماعي. فقد اختلفت فيها الأقاليم وتنوَّع المناخ؛ فنتج عن ذلك تنوع الحياة البشرية. فحيث ساد الإقليم الصحراوي وشحت السماء بالغيث وحل الجفاف قامت حياة البداوة والرعي التي لا تعرف الاستقرار، كما في الشمال، وحيث سادت رطوبة الجو وهطل الغيث قامت الحياة الزراعية المستقرة، وساعد القرب من البحار على قيام التجارة. وقد توفر قسط وافر من هذه الشروط في اليمن التي تطل على البحار من الجهتين الغربية والجنوبية ولا يفصل بينها وبين البر الإفريقي سوى مضيق باب المندب.

فاليمن بهذا الموقع الجغرافي تتمتع بميزة زراعية مهمة؛ لأنها معرضة للرياح شبه الموسمية، فتتلقى كمية من الأمطار الصيفية كافية لازدهار الزراعة فيها. وقد استغل اليمنيون القدماء تشكل السيول من الأمطار، فأقاموا في شعاب الوديان سدودًا وخزانات، حجزوا بها المياه واستفادوا منها وقت الجفاف، فاستقروا في الأرض وبنوا منازلهم بالحجارة. وقد مارسوا التجارة إلى جانب الزراعة، واضطلعوا بها بالنشاط نفسه الذي مارسوا فيه الزراعة لوقوع بلادهم على شواطئ البحار التي تفصل بينها وبين الشرق الأقصى، لا سيما الهند التي اشتهرت بإنتاج التوابل والبهارات وغيرها من المواد التي كان الطلب عليها شديدًا من الغرب الأوروبي، الأمر الذي جعل شبه جزيرة العرب - بموقعها المتوسط بين الشرق والغرب- بمثابة الجسر الذي تمر عليه هذه التجارة، وليس لمسالك التجارة العالمية مفر من اجتيازه. كما جعلها، في الوقت نفسه، ملتقى للتيارات الحضارية الآتية من شتى الجهات، فتفاعلت معها وأنتجت بدورها حضارة ضربت في مضمار التقدم والازدهار شوطًا مرموقًا.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير