للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

باب قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ١ الآية (١) .

ــ

(١) لما كان من المحبة محبة خاصة لا تصلح إلا لله عز وجل، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، ولا يجوز تعليقها بغير الله أصلا، ومتى أحب العبد بها غير هـ تعالى كان مشركا شركا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وقد سوى المشركون بين الله وبين آلهتهم فيها، ترجم لها المصنف -رحمه الله- بهذه الآية الكريمة؛ ليظهر ويوضح ما دلت عليه من للشرك باتخاذ الند، وهو المثل والشرك في محبة التأله والتعظيم التي هي أصل دين الإسلام، وبكمالها يكمل، وبنقصها ينقص. قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال، حيث جعلوا لله أندادا، أي أمثالا ونظراء: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} أي يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم، وهو اختيار شيخ الإسلام في الآية، كما حكى الله هذه التسوية عنهم في قوله: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ٢. وقال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ٣. وهذا الند وهذه التسوية وهذا العدل إنما هو في المحبة لا في الخلق والربوبية؛ فإنه ليس أحد من أهل الأرض يثبته، بخلاف المحبة؛ فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا وساووهم به وعدلوهم بربهم في المحبة والتعظيم.: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} أي أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، وقيل لأندادهم، فدلت الآية على أن من أحب شيئا كحب الله فقد اتخذه ندا لله، قال المصنف: ((وفيه أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر)) . اهـ. والمحبة قسمان: مشتركة ومختصة. والمشتركة ثلاثة أنواع: طبيعية كمحبة الجائع للطعام، ومحبة إجلال وإعظام، ومحبة إشفاق كمحبة الولد لوالده والوالد لولده، ومحبة أنس وإلف كمحبة الشريك =


١ سورة البقرة آية: ١٦٥.
٢ سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨.
٣ سورة الأنعام آية: ١.

<<  <   >  >>