<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الماكرين -التي ما زالت منذ قرون- إلى النجاح، أصبح الطريق أمامهم مفتوحًا لافتراس المسلمين بالمبادئ المنحرفة، والنظم الضالة، والروابط الزائفة، ثم القضاء نهائيًّا على الوجود الإسلامي الحق، الذي يخشون إقامته، وترهبهم يقظته، ويجدون فيه الخطر الكبير على حضارتهم المادية الفاسدة، ومحاولتهم السيطرة على مقدارت البشر ومستقبلهم..

والحديث في الثقافة الإسلامية أثير لنفس المسلم حبيب إليها؛ فهو وثيق الصلة بالعقل والقلب والفكر والشعور، مرتبط أتم ارتباط بالماضي الزاهر، والحاضر القلق، والمستقبل المنشود.. إنه -في أقرب أهدافه الكثيرة- يزود العقول بالحقائق الناصعة عن هذا الدين وسط ضباب كثيف من أباطيل الخصوم، ويربي فيها ملكة النقد الصحيح التي تقوم المبادئ والنظم والمذاهب التقويم السليم، وتميز -في نزعات الفكر والسلوك- بين الغث والسمين؛ فتأخذ النافع الخير، وتطرح الضار الفاسد، ملتزمة في ذلك التوجيه النبوي الكريم:

"الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" 1

وليست جولة هذه الثقافة في آفاق المعرفة العقلية لونًا من رياضة الذهن، أو ضربًا من الاستزادة من المعارف، أو فنًا من القول المنمق والأسلوب الممتع الجميل؛ فتلك كلها غايات تأتي تبعًا لا قصدًا، وهي متوافرة في طائفة كثيرة من العلوم والفنون، أما الحديث في الثقافة الإسلامية فإنه يتجازو حدود المعرفة العقلية البحتة، لينفذ إلى القلب فيحرك المشاعر، ويفجر في روح المؤمن تلك الطاقة الحية العالية، التي تشده شدًّا محكم الأواصر إلى عقيدته الحقة النيرة، وشريعته الكاملة القويمة، تتعمق فيه روح الولاء لأمته الرائدة القائدة التي أكرمها الله بهذه الرسالة الهادية..

وحين يتلاقى العقل والقلب، والفكر والشعور، على فهم الإسلام،


1 رواه الترميذي في باب العلم.

<<  <   >  >>