فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَغَلَاءٍ يَقَعُ فِي مَوْضِعٍ فَتَزِيدُ حَاجَتُهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ النَّقْلُ إلَيْهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَيُمْنَعُ مِنْ نَقْلِهَا؛ لِأَنَّهُ غَصْبٌ لِمَا اسْتَحَقَّهُ فُقَرَاءُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ فَهُمْ شُرَكَاءُ لَهُمْ فِيهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي وَجَبَ لَهُمْ فِيهِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

(فَصْلٌ)

وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُهُ فِي بَلَدِهِ حِينَ الْخُرُوجِ مِنْ أَنَّهُ يَمْشِي عَلَى إخْوَانِهِ وَمَعَارِفِهِ وَيُوَدِّعُهُمْ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا إذَا عَزَمَ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَلْيَفْعَلْ مَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ إذَا رجع الْمُسَافِر إلَى بَلَدِهِ]

(فَصْلٌ)

فَإِذَا وَصَلَ إلَى بَلَدِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يُخْبِرُ أَهْلَهُ بِقُدُومِهِ لِيَأْخُذُوا الْأُهْبَةَ لِلِقَائِهِ. لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا وَالطُّرُوقُ هُوَ الْإِتْيَانُ لَيْلًا.

وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ مَنْ يَأْتِي عَلَى غَفْلَةٍ وَعَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ.

ثُمَّ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إذَا دَخَلَ إلَى بَلَدِهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ زِيَارَةَ بَيْتِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُحَيِّيهِ بِرَكْعَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِفَوَائِدَ مِنْهَا امْتِثَالُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» وَكَفَى بِهَا بَرَكَةً وَمِنْهَا أَنَّ أَصْحَابَهُ وَمَعَارِفَهُ مُخَاطَبُونَ بِأَنْ يَأْتُوا إلَيْهِ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَلِلتَّهْنِئَةِ بِالسَّلَامَةِ فَإِذَا وَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ تَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ، وَلَا وُقُوفٍ وَانْتِظَارٍ بِخِلَافِ الْبَيْتِ. وَمِنْهَا أَنَّ فِي بُطْئِهِ عَنْ الدُّخُولِ إلَى أَهْلِهِ فَائِدَةً أُخْرَى لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَدْهُنَ. وَمِنْهَا أَنَّ أَهْلَهُ يُرِيدُونَ حِينَ لِقَائِهِ التَّمَتُّعَ بِرُؤْيَتِهِ وَالْجُلُوسَ مَعَهُ وَالْحَدِيثَ فَإِنْ هُوَ بَدَأَ بِأَهْلِهِ قَبْلَ الْمَسْجِدِ جَاءَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَطَعُوا عَلَيْهِمْ مَا هُمْ بِصَدَدِهِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِمَا هُوَ مُتَمَحِّضٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ آكَدُ عَلَى الْمَرْءِ مِمَّا هُوَ مَشُوبٌ غَالِبًا بِحَظِّ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَمِنْهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تُرِيدُ إسْرَاعَ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ

<<  <  ج: ص:  >  >>