فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَوَلَّى أَمْرَهُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَا إلَّا مَنْ يُرْتَضَى حَالُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي.

وَيَنْوِي الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَعْطَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا وَأَخَذَهُ فَيَأْخُذُهُ بِنِيَّةِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ كَمَا مَضَى فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِمَا الْمَعْلُومِ وَتَرْكِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي بَابِهِ.

فَالطَّبِيبُ مُشَارِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. أَعْنِي فِي مُبَاشَرَتِهِ مَنْ يُعْطِيهِ وَمَنْ لَا يُعْطِيهِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ عِنْدَهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ بَلْ يَكُونُ الَّذِي لَا يُعْطِيه عِنْدَهُ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى وَانْتَفَتْ عَنْهُ حُظُوظُ النَّفْسِ. ثُمَّ يُضِيفُ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النِّيَّاتِ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ لِيَتَضَاعَفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الثَّوَابُ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ وَاشْتَغَلَ بِأَدَاءِ فَرْضِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرِيضِ وَعَلَى وَلِيِّهِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَا مِنْ الْأَطِبَّاءِ إلَّا مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالدِّينِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِمَا يَصِفُهُ فِي مُهَجِ الْمَرْضَى. وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَنْ يُؤْنِسَهُ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ وَطَلَاقَتِهِ وَيُهَوِّنَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْمَرَضِ وَيَقْصِدَ بِذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَحْكَمَتْ أَنَّ الْمَرِيضَ يُطَوِّلُ لَهُ الزَّائِرُ فِي أَجَلِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ

[فَصْلٌ لَا يَقْعُدَ مَعَ الطَّبِيبِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُظَنُّ الْمَرِيضَ لَا يُرِيدُ مجالسته]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْعُدَ مَعَ الطَّبِيبِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ بِهِ أَمْرَاضٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهَا أَحَدًا سِيَّمَا الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ كِتْمَانُ الْمَصَائِبِ» فَإِذَا اُضْطُرُّوا إلَى ذِكْرِ مَا نَزَلَ بِهِمْ اقْتَصَرُوا فِيهِ عَلَى الطَّبِيبِ خَاصَّةً وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ.

وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الشَّكْوَى كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ إلَّا لِثَلَاثٍ: طَالِبِ عِلْمٍ يَشْكُو إلَى عَالِمٍ دَاءَ فَهْمِهِ، وَمُرِيدٍ يَشْكُو إلَى شَيْخِهِ دَاءَ قَلْبِهِ، وَعَلِيلٍ يَشْكُو إلَى طَبِيبٍ دَاءَ بَدَنِهِ.

فَعَلَى هَذَا فَغَيْرُ الطَّبِيبِ لَا مَعْنَى لِاطِّلَاعِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ

<<  <  ج: ص:  >  >>