فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَتَّصِفَ بِصِفَاتِ أَهْلِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ دُونَ زِيَادَةٍ، وَيَقْتَصِرَ عَلَيْهَا.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، انْسَدَّتْ بِهِ هَذَا الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ لَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا، وَفِي الْأُخْرَى دُونَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، فَتَجِدُ بَعْضَ الْمُدَرِّسِينَ لَهُ دُنْيَا كَثِيرَةٌ، وَهُوَ يَدَّعِي الضَّرُورَاتِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَرِهِمْ إلَى الضَّرُورَاتِ الْمُعْتَادَاتِ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَأْخُذُ عَلَيْهِ الْمَعْلُومَ إنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى تَعْلِيمِهِ عِوَضًا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مَعَ أَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى وَأَرْفَعُ.

وَإِذَا أَخَذَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ عَلَى نِيَّةِ الْإِعَانَةِ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ لَا عَلَى الْعِوَضِ وَالْإِجَارَةِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ تَعْلِيمُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَخْذُهُ الرِّزْقَ لِلَّهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ فِي مَوَاضِعِ الْجُلُوسِ فِي الدُّرُوسِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَوَاضِعِ الِاجْتِمَاعِ]

ِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَحْسَنَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيَّ وَإِلَيْك الْقَوْلُ فِي الْقِيَامِ لِلدَّاخِلِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَتَفْصِيلِهِ وَمَا يَجُوزُ فِيهِ وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى مَوَاضِعِ الْجُلُوسِ وَتَبْيِينِ مَا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنْ الْعَوَائِدِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُحَذِّرَ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ الْمُسْتَهْجَنَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ إذْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِمَنْ مَضَى، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَوْلَى بِالتَّوَاضُعِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ النَّاسِ مُطَالَبِينَ بِذَلِكَ.

وَطَلَبُ مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ لِلْجُلُوسِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالِازْدِرَاءِ بِمَنْ دُونَهُ غَالِبًا، وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَمَّنْ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ سِيَّمَا مَنْ هُوَ جَالِسٌ لِإِلْقَائِهِ أَوْ لِسَمَاعِهِ، وَالْعِلْمُ يَطْلُبُهُ بِتَرْكِ مَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ طَلَبِ الْحُظُوظِ الْخَسِيسَةِ وَالْأَمَانِي الْفَاسِدَةِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ

<<  <  ج: ص:  >  >>