للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قُوَّةُ سُلْطَانِ الْهَوَى، وَخَفَاءُ مَكْرِهِ (١) .

فَأَمَّا الأَْوَّل: فَهُوَ أَنْ يَقْوَى سُلْطَانُ الْهَوَى بِدَوَاعِيهِ حَتَّى تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ مُغَالَبَةُ الشَّهَوَاتِ، فَيَكِل الْعَقْل عَنْ دَفْعِهَا وَيَضْعُفَ عَنْ مَنْعِهَا مَعَ وُضُوحِ قُبْحِهَا فِي الْعَقْل الْمَقْهُورِ بِهَا، وَهَذَا يَكُونُ فِي الأَْحْدَاثِ أَكْثَرَ وَعَلَى الشَّبَابِ أَغْلَبَ؛ لِقُوَّةِ شَهَوَاتِهِمْ وَكَثْرَةِ دَوَاعِي الْهَوَى الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ رُبَّمَا جَعَلُوا الشَّبَابَ عُذْرًا لَهُمْ.

وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنْ يُخْفِيَ الْهَوَى مَكْرَهُ حَتَّى تَمُوهُ أَفْعَالُهُ عَلَى الْعَقْل، فَيَتَصَوَّرُ الْقَبِيحَ حَسَنًا، وَالضَّرَرَ نَفْعًا، وَهَذَا يَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلنَّفْسِ مَيْلٌ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَخْفَى عَلَيْهَا الْقَبِيحُ بِحُسْنِ ظَنِّهَا وَتَتَصَوَّرُهُ حَسَنًا لِشِدَّةِ مَيْلِهَا إِلَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ (٢) . أَيْ يُعْمِي عَنِ الرُّشْدِ، وَيُصِمُّ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، وَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الْهَوَى عَمًى ".


(١) أَدَب الدُّنْيَا وَالدِّينِ ص ٣٦.
(٢) حَدِيث: " حُبّك الشَّيْء يُعْمِي وَيَصِمُ ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٥ / ٣٤٧ - ط حِمْص) وقال الْمُنْذِرِي فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ (٨ / ٣١ - ط دَار الْمَعْرِفَة) : فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّة بْن الْوَلِيدِ، وَأَبُو بَكْر بِكِير بْن عَبْد اللَّه، وَفِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَال.