<<  <  ج: ص:  >  >>

فِي مُجْتَهِدٍ يَعْتَمِدُ عَلَى اجْتِهَادِهِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ مَعَ تَقْلِيدِهِ فِي بَعْضِ الْمَعَارِفِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا.

فَالْجَوَابُ: إِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي العلم بالمسألة1 المجتهد فيها بإطلاق لا شرطًا فِي صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَعَارِفَ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ مَاهِيَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا الِاجْتِهَادُ يُتَوَصَّلُ إليها بِهَا، فَإِذَا كَانَتْ مُحَصَّلَةً بِتَقْلِيدٍ أَوْ بِاجْتِهَادٍ أَوْ بِفَرْضِ2 مُحَالٍ، بِحَيْثُ يُفْرَضُ تَسْلِيمُ صَاحِبِ تِلْكَ

الْمَعَارِفِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا مَا حُصِّلَ هَذَا ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ؛ كَانَ بِنَاؤُهُ صَحِيحًا لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ قَدْ وَقَعَ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ3 الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ؛ كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ

كَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ أَخَذُوا عَنْهُمْ وَانْتَفَعُوا بِهِمْ، وَصَارُوا فِي عِدَادِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، مَعَ أَنَّهُمْ عِنْدَ النَّاسِ مُقَلِّدُونَ فِي الْأُصُولِ لِأَئِمَّتِهِمْ، ثُمَّ اجْتَهَدُوا بِنَاءً

عَلَى مُقَدِّمَاتٍ مُقَلَّدٍ فِيهَا، وَاعْتُبِرَتْ أَقْوَالُهُمْ وَاتُّبِعَتْ آرَاؤُهُمْ، وَعُمِلَ عَلَى وَفْقِهَا، مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِأَئِمَّتِهِمْ وَمُوَافَقَتِهِمْ، فَصَارَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ قَوْلُ أشهب أو


1 في الأصل وجميع النسخ المطبوعة: "بمسألة" وما أثبتناه من "ط" وهو الذي صوبه "د"، فقال: "لعل الأصل: "المجتهد فيها مجتهد بإطلاق"".
2 مبني على ما سبق له، وقد علمت أن هذه توسعة في الكلام لا محل لها؛ لأنه لا يعد من بذل الوسع الكافي في الاجتهاد أن يفرض المجتهد المحتاج إلى أمارة أن المجتهد في علم هذه الأمارة يسلم بما حصل عليه منها، ثم يبني على هذا الفرض استنباطه حكمًا شرعيًا يجب عليه العمل به ويقلد فيه، بمجرد هذا الفرض الذي ليس من نوع التقليد، ولا نوع الاجتهاد في هذه الأمارة، وما سلم له في الوجه الثاني كان من باب التقليد للعالم المحدث ومن معه، وسيقول بعد: "ثم اجتهدوا على مقدمات مقلد فيها"، ولم يأت بمثال للمقدمات المفروضة التي كرر الكلام فيها. "د".
3 هذا المثال أظهر من الأمثلة التي ذكرها في الدليل الثاني من التسليم للقارئ واللغوي ... إلخ؛ لأنه لم يقدم دليلًا على صحة هذا التسليم،
بل أرسلها دعوى مجردة، أما هذا المثال، فواضح؛ لأنه لا ينازع أحد في التسليم لمثل ابن القاسم وأبي يوسف في الاجتهاد، والمخالفة في بعض
الفروع لمالك وأبي حنيفة، واعتبار اجتهادهما صحيحًا. "د".

<<  <  ج: ص:  >  >>