للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[النوع الثاني: أقسام الخبر من حيث الصدق والكذب]

النَّوْعُ الثَّانِي: إِنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى صِدْقٍ وَكَذِبٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ، وَادَّعَى أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعِ الْخَبَرَ إِلَّا لِلصِّدْقِ وَلَيْسَ لَنَا خَبَرٌ كَذِبٌ وَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوَاضِعِ وَنَظِيرُهِ قَوْلُهُمْ الْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ مِنَ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ.

ثُمَّ اسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنُّحَاةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: قَامَ زَيْدٌ، حُصُولُ الْقِيَامِ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَلَمْ يُقِلْ أَحَدٌ إِنَّ مَعْنَاهُ صُدُورُ الْقِيَامِ أَوْ عَدَمُهُ، وَإِنَّمَا احْتِمَالُهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَوْضُوعٌ لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَامَ زَيْدٌ حُصُولُ الْقِيَامِ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَدْلُولَهُ الْحُكْمُ بِحُصُولِ الْقِيَامِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ.

وَيُجَابُ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ: بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَلَا يَقْدَحُ عَلَى الْقَرَافِيِّ بَلْ هُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَذَلِكَ مُجَرَّدُ دَعْوَى وَيُقَوِّي مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَبَعْدَهُ عَلَى مَدْحِ الصَّادِقِ وَذَمِّ الْكَاذِبِ وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ مَوْضُوعًا لَهُمَا لَمَا كَانَ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ مَوْضُوعٌ مِنْ بَأْسٍ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الصِّدْقُ وَالثَّانِي الْكَذِبُ وَأَثْبَتَ الْجَاحِظُ١ الْوَاسِطَةَ بينهما، فقال:


١ هو عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان، البصري المعتزلي، صاحب التصانيف، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين هـ، من آثاره: "الحيوان" "البيان والتبيين" "البخلاء" وغيرها كثير. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١١/ ٥٢٧" معجم الأدباء "١٦/ ٧٤".

<<  <  ج: ص:  >  >>