للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فِي الْوُجُوبِ (الْمَرْكُوبُ) أَيْ وُجُودُهُ (لِلْأَبْعَدِ) دُونَ الْأَقْرَبِ كَمَا فِي الْحَجِّ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ (الزَّادُ) أَيْ وُجُودُهُ (لِلْجَمِيعِ) مِنْ الْأَبْعَدِ وَالْأَقْرَبِ إذْ لَا اسْتِقْلَالَ بِغَيْرِ زَادٍ وَلَا مَعْنَى لِإِلْزَامِهِمْ الْخُرُوجَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ سَيَهْلِكُونَ.

(وَلَوْ قُهِرُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ (وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ الدَّفْعِ) عَنْ أَنْفُسِهِمْ (وَتَوَقَّعُوا الْأَسْرَ وَالْقَتْلَ وَأَمِنَتْ الْمَرْأَةُ امْتِدَادَ الْأَيْدِي إلَيْهَا فِي الْحَالِ) لَوْ أُسِرَتْ (جَازَ) لَهُمْ (الِاسْتِسْلَامُ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَافَحَةَ حِينَئِذٍ اسْتِعْجَالٌ لِلْقَتْلِ وَالْأَسْرُ يُحْتَمَلُ مَعَهُ الْخَلَاصُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَأْمَنْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ (فَلَا يَحِلُّ لَهَا الِاسْتِسْلَامُ) بَلْ يَلْزَمُهَا الدَّفْعُ (وَلَوْ قُتِلَتْ) ؛ لِأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا لَا تَحِلُّ لَهُ الْمُطَاوَعَةُ لِدَفْعِ الْقَتْلِ وَالْأَصْلُ أَفْرَدَ مَسْأَلَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى حِدَتِهَا وَهُوَ أَحْسَنُ ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ: فَإِنْ كَانَتْ تَأْمَنُ مِنْ ذَلِكَ حَالًا بَعْدَ الْأَسْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهَا الِاسْتِسْلَامُ حَالًا ثُمَّ تَدْفَعُ إذَا أُرِيدَ مِنْهَا ذَلِكَ.

(وَلَوْ نَزَلُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (عَلَى خَرَابٍ) أَوْ مَوَاتٍ وَلَوْ بَعِيدًا عَنْ الْأَوْطَانِ (مِنْ حُدُودِ) دَارٍ (الْإِسْلَامِ تَعَيَّنَ دَفْعُهُمْ) كَمَا لَوْ دَخَلُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ.

(وَكَذَا لَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا وَأَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ) مِنْهُمْ بِأَنْ رَجَوْنَاهُ (تَعَيَّنَ جِهَادُهُمْ) وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوا دَارَنَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الدَّارِ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «فُكُّوا الْعَانِيَ» فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُهُ بِأَنْ لَمْ نَرْجُهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ جِهَادُهُمْ بَلْ يُنْتَظَرُ لِلضَّرُورَةِ وَذَكَرَ فِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُنَا فَكُّ مَنْ أُسِرَ مِنْ الذِّمِّيِّينَ.

(وَلَا يَتَسَارَعُ الْآحَادُ) وَالطَّوَائِفُ مِنَّا (إلَى) دَفْعِ (مَلِكٍ) مِنْهُمْ (عَظِيمٍ) شَوْكَتُهُ (دَخَلَ أَطْرَافَ الْبِلَادِ) أَيْ بِلَادِنَا لِمَا فِيهِ مِنْ عِظَمِ الْخَطَرِ.

[الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِيمَا عَدَا الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ]

(الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِيمَا عَدَا الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَتْ فِي أَبْوَابِهَا) كَصَلَاةِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إلَّا بِحُصُولِهَا فَطَلَبُ الشَّارِعِ تَحْصِيلَهَا لَا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ طُلِبَ مِنْهُ تَحْصِيلُهُ (وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ مُحْتَسِبًا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ) وَإِنْ كَانَا لَا يَخْتَصَّانِ بِالْمُحْتَسِبِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ وَالنَّهْيُ عَنْ مُحَرَّمَاتِهِ (فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ) إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا (وَكَذَا) بِصَلَاةِ (الْعِيدِ) وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ شِعَارًا ظَاهِرًا كَذَا فِي الرَّوْضَةِ مَعَ جَزْمِهَا كَأَصْلِهَا بِمَا مَرَّ آنِفًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذُكِرَ أَوَّلًا مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ ذُكِرَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ الثَّانِيَ خَاصٌّ بِالْمُحْتَسِبِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ، وَلَا يُقَاسَ بِالْوَالِي غَيْرُهُ وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ أَوْ بِصَوْمِهِ صَارَ وَاجِبًا.

(وَلَا يَأْمُرُ الْمُخَالِفِينَ) لَهُ فِي الْمَذْهَبِ (بِمَا لَا يُجَوِّزُوهُ) بِحَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ عَلَى لُغَةٍ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْأَصْلِ بِمَا لَا يَجُوزُ بِتَرْكِ الْوَاوِ (وَلَا يَنْهَاهُمْ عَمَّا يَرَوْنَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ) أَوْ سُنَّةً لَهُمْ.

(وَيَأْمُرُ) الْمُسْلِمِينَ (بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ) وَالسُّنَنِ (وَلَا يَعْتَرِضُ) عَلَيْهِمْ (فِي تَأْخِيرِهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي فَضْلِ تَأْخِيرِهَا.

(وَيَأْمُرُ فِيمَا) الْأَوْلَى بِمَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (يَعُمُّ نَفْعُهُ كَعِمَارَةِ سُورِ الْبَلَدِ وَسِرْبِهِ وَمَعُونَةِ الْمُحْتَاجِينَ) مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَغَيْرِهِمْ وَيَجِبُ ذَلِكَ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) إنْ كَانَ فِيهِ مَالٌ (وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ لَهُ مُكْنَةٌ) أَيْ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ.

(وَيَنْهَى الْمُوسِرَ عَنْ مَطْلِ الْغَرِيمِ إنْ اسْتَعْدَى) أَيْ اسْتَعْدَاهُ الْغَرِيمُ عَلَيْهِ وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ يَنْهَاهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْدِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا.

(و) يَنْهَى (الرَّجُلَ عَنْ الْوُقُوفِ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي طَرِيقٍ خَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ رِيبَةٍ فَيُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: إنْ كَانَتْ مَحْرَمًا لَك فَصُنْهَا عَنْ مَوَاقِفِ الرِّيَبِ وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَخَفْ اللَّهَ فِي الْخَلْوَةِ مَعَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَعَهَا فِي طَرِيقٍ يَطْرُقُهُ النَّاسُ.

(وَيَأْمُرُ بِنِكَاحِ الْأَكْفَاءِ) أَيْ إنْكَاحِهِمْ (وَإِيفَاءِ الْعِدَدِ وَالرِّفْقِ بِالْمَمَالِيكِ وَتَعَهُّدِ الْبَهَائِمِ) وَالْمَأْمُورُ بِالْأَوَّلِ الْأَوْلِيَاءُ وَبِالثَّانِي النِّسَاءُ وَبِالثَّالِثِ السَّادَةُ وَبِالرَّابِعِ أَصْحَابُ الْبَهَائِمِ وَمِنْ لَازِمِ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِهَا الْأَمْرُ بِأَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا لَا تُطِيقُ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَيْضًا مِنْ الْأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمَالِيكِ.

(وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى وَالْوَعْظِ وَلَيْسَ) هُوَ (مِنْ أَهْلِهِ) وَيُشْهِرُ أَمْرَهُ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ.

(و) يُنْكِرُ (عَلَى مَنْ أَسَرَّ فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ أَوْ زَادَ فِي الْأَذَانِ وَعَكَسَهُمَا) بِأَنْ يُنْكِرَ عَلَى مَنْ جَهَرَ فِي سِرِّيَّةٍ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْأَذَانِ.

(وَلَا يُطَالِبُ) أَحَدًا (بِحَقِّ آدَمِيٍّ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَا يُنْكِرُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَتَعَدِّي الشَّخْصِ فِي جِدَارِ جَارِهِ (قَبْلَ

ــ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ: وَأَمِنَتْ الْمَرْأَةُ امْتِدَادَ الْأَيْدِي إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَدَ الْجَمِيلَ وَغَيْرَهُ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ يُقْصَدُ بِالْفَاحِشَةِ فِي الْحَالِ أَوْ الْمَآلِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ وَأَوْلَى، وَقَوْلُهُ الظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ، فَإِنْ كَانَتْ تَأْمَنُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَمِلَهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ تَرْجِيحَهُ عَنْ الْجَاجَرْمِيِّ فَقَالَ فِي الْإِيضَاحِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْفَاحِشَةَ مَوْهُومَةٌ وَالْقَتْلَ مَعْلُومٌ وَعَنْ الْبَسِيطِ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمَنْعُ.

(قَوْلُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَوْضِعَ الْإِجْمَاعِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ سُنَّةٌ فَيَكُونُ الْمَذْهَبُ عَدَمَ الْوُجُوبِ وَعَلَى الْمَذْهَبِ قَدْ يُقَالُ إذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِهَا وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا سُنَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّوْمِ لِلِاسْتِسْقَاءِ (قَوْلُهُ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ الثَّانِيَ خَاصٌّ بِالْمُحْتَسِبِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْوِلَايَةُ.

<<  <  ج: ص:  >  >>