للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كان رجال الدين من المسيحيين، كما نعلم يعرفون من اللغات ما كتبت به الأناجيل، ولذلك كانوا يعرفون أكثر من لغة واحدة، وقد جمع الكثير منهم بين العربية، لغة الدولة التي يدينون لها بالطاعة، وبين الإغريقية لغة الدولة التي يدينون لها بالعطف والولاء، وقد كانت الإغريقية في ذلك العصر لغة الكنيسة الأرثوذكسية، التي كان أكثر المسيحيين في الدولة١ الإسلامية تابعا لها، وكم دارت المناظرات بين هؤلاء المسيحيين، وبين علماء الإسلام في قصور الخلفاء وفي خارجها، وكم دون المسلمون من الحجج على النصارى٢. وكم دون النصارى من الحجج على المسلمين، ولقد كانت هذه المناظرات في بدايتها من الدوافع، التي حفزت المسلمين على خلق علم الكلام، وكانت الأدلة في كل هذه المناقشات تصاغ على مثال الأقيسة الأرسطوطاليسية، وكان منطق أرسطو عند الفريقين مرجعا نافذ الحكم والقضاء.

كان لا بد والحالة على ما ذكرنا، أن يظهر أثر الأفكار الأجنبية في الدراسات اللغوية عند العرب، وأن تنتقل عدوى التفكير الأرسطوطاليسي، الذي يخلط بين الدراسات اللغوية والدراسات المنطقية، والميتافيزيقية إلى اللغة العربية ودراساتها، وبالأخص دراسات أصل اللغة والدراسات النحوية.

يقول ابن جني في باب القول على اللغة، وما هي٣: "أما حدها فهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، هذا حدها، وأما اختلافها، فلما نذكره في باب القول عليها أمواضعة هي أم إلهام؟ " فالمواضعة أو التعارف والإلهام، أو التوقيف كانا عند العرب أساسين تتراوح الأفكار بينهما في الكلام عن أصل اللغة، ولقد كانت العلاقة بين الكلمة وبين مدلولها، "وهي دراسة ميتافيزيقة كالكلام في أصل اللغة"، من نصيب دراسة الفلسفة الإسلامية، أكثر مما كانت من نصيب اللغويين.

أما النحو العربي، فإن أثر المنطق فيه يبدو من جانبين اثنين؛ أولهما جانب المقولات، وتطبيقها في التفكير النحوي العام، وثانيهما الأقيسة والتعليلات في المسائل النحوية


١ O'Leary, ٣٦-٤٦.
٢ للجاحظ في الفصول المختارة رسالة في الرد على النصارى، يصلح مثالا لذلك.
٣ الخصائص ص٣١.

<<  <   >  >>