للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الجمال البائس: "٤"

قلت لها: إن قلبي وقلبك يتجاليان١ في هذه الساعة ويتباكيان؛ أتدرين ماذا يقول لك قلبي؟

إنه ليقول عني: أعزز علي بأن تكوني ههنا، وأن تتألف منك هذه القصة التي تبدأ بالوصمة وتنتهي بالاستخذاء، فتنطلق المرأة في متالفها ومهاويها ليبلغ بها القدر ما هو بالغ؛ وليس إلا الضرورة وسطوتها بها، والإذلال ومهانته لها، والاجتماع وتهكمه عليها، والابتذال واستعباده إياها؛ ومهما يأتِ في القصة من معنى فليس فيها معنى الشرف؛ ومهما يكن من موقف فليس فيها موقف الحياء؛ ومهما يجر من كلام فليس فيها كلمة الزوجة، وأعزز علي بأن أرى المصباح الجميل المشبوب الذي وُضع ليضيء ما حوله، قد انقلب فجعل يُحرق ما حوله؛ وكان يتلألأ ويتوقد، فارتد يتسعَّر ويتضرم ويجني ما يتصل به، وسقط بذلك سقطة حمراء.

أفتدرين ماذا يقول لي قلبك؟

إنه يقول عنك: يا بؤسنا من نساء! لقد وضعنا وضعًا مقلوبًا، فلا تستقيم الإنسانية معنا أبدًا، وكل شيء منقلب لنا متنكر؛ والشفقة علينا تنقلب من تلقاء نفسها تهكمًا بنا؛ فنبكي من شفقة بعض الناس، كما نبكي من ازدراء بعض الناس. يا بؤسنا من نساء!

قالت: صدقتَ، وكذلك تنقلب أسباب الحياة معنا أسبابًا للمرض والموت؛ فاليقظة ليس لها عندنا النهار بل الليل، والصَّحْو لا يكون فينا بالوعي بل بالسُّكْر، والراحة لا تكون لنا في السكون والانفراد، بل في الاجتماع والتبذل؛ وماذا يرُدُّ على امرأة من واجباتها السهر والسكر والعربدة، والتبذل، وتدريب الطباع


١ أي: يتكاشفان, ويجلو كلاهما للآخر ويوضح.

<<  <  ج: ص:  >  >>