فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من يقول إن ذلك الهيج كان أصله الأشر والبطر، إذ لم يكن ثم ضرورة من إجحاف في مال، ولا انتهاك لحرمة، ولا تعسف في ملكة، والحال تدل على صحة ذلك: فإنه لم يكن على الناس وظائف، ولا مغارم، ولا سخر، ولا شئ يكون سببا لخروجهم على السلطان، بل كان ذلك أشرا وبطرا، وملالا للعاقبة، وطبعا جافيا، وعقلا غبيا، وسعيا في هلاك أنفسهم - أعاذنا الله من الضلال والخذلان، وأسباب البوار والخسران! ولما اهتاجوا وقاموا على السلطان، ناصبهم الحكم القتال، وواضعهم الحرب. وانحاش إليه حاشيته وجنده، وتألب من كل وجه رجاله. وقامت الحرب بين الجند وعامة قرطبة على ساق. ثم تكاثرت العامة، وهاجت الدهماء السوداء؛ فلم يزيدوا على أن ظهروا في ذلك الحين ظهروا لم يبلغهم إلى أمل فلما اشتغلوا بالقتال، احتيل عليهم بمثل حيلة يوم الحرة، وهم لا يشعرون لاشتغالهم بالقتال؛ فخرج عبيد الله بن عبد الله البلنسي المعروف بصاحب الصوائف، وإسحاق بن المنذر القرشي إلى باب الجسر، مع من أمكنهما من الفرسان والرجالة، والتقوا مع العامة، وجالدوهم حتى أزاحوهم وأدخلوهم الجسر؛ وفتح باب المدينة عند الجسر، ودخل الذين سمينا على باب الحديد؛ ثم اقتحموا على الزقاق الكبير، وخرجوا على الرملة إلى مخاضة هناك، وجازوا النهر، واجتمعوا مع من توافى عليهم من حشود الكور، إذ كانوا قد أنذروا قبل ذلك بما كان بدا منهم، وظهر من علاماتهم. فلما اجتمعوا، أقبل بعضهم من وراء الربض، وشرع بعض في طرح النار في الدور، ودسوا من أخبر العامة بما نزل بهم في دورهم وذراريهم وعيالهم؛ فلم يبق أحد منهم دون أهله ومنزله، وانصرفوا راجعين نحوها. فأخذتهم السيوف من أمامهم وورائهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا، وتتبعوا في الأزقة والطرق، يقتلون؛ ونجا منهم من تأخر أجله، ففرَّ، فلم يلو على

<<  <  ج: ص:  >  >>