فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله رشده فيستقيم على الحق فيعمل وفق ما يدعو، والله أعلم.

أمّا الأمر الثَّاني الَّذي هو أسلوب الترهيب في قوله: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ((1) ، فقد استعمل فيه شعيب أسلوب الترهيب فحذّرهم بأس الله قائلاً لهم: لا يجرمنكم شقاقي أي لا يحملنكم شقاقي أي خلافي، قاله الحسن وقتادة، وقيل: لا يكسبنكم، قاله الزجاج (2) أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قوم نوح من الغرق أو قوم هود من الريح، أو قوم صالح من الرجفة والصيحة. وما قوم لوط منكم ببعيد مكانًا أو زمانًا، فعلى الأَوَّل يكون المعنى: أن مكان قوم لوط قريب من مكان قوم شعيب في المسافة لأنّ مدين وقرى قوم لوط متقاربتان جدًّا لأنّ مدين قريبة من معان الَّتي في أطراف الأردن، وقرى قوم لوط حول ما يسمى بالبحر الميت الآن في الأردن، وعلى الثَّاني وهو قول قتادة أن زمان قوم لوط كان قريبًا من زمان قوم شعيب، وفي كل داع إلى الاعتبار بحالهم.

أمّا النموذج الثَّالث هو أن نبي الله شعيبًا استعمل فيه أسلوب الترغيب، حيث قال: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ((3) . قدّم لهم أوّلاً النصيحة الكاملة حيث أمرهم بالاستغفار والتوبة إلى الله مما سلف منهم من الكفر والمعاصي ورغّبهم في ذلك قائلاً: إنّ ربّي رحيم بعباده التوابين، ودود محبّ لهم، فمن تاب إلى الله توبة نصوحًا رحمه بأن يقبل توبته ويحبه هكذا ظهر من حال شعيب أَنَّه مخلص في دعوته ناصح لأمّته، باذل كلّ ما في وسعه لإنقاذهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، لكن الهداية بيد الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء.


(1) تقدّمت الإشارة إليها.
(2) انظر النكت والعيون للماوردي.
(3) تقدّمت الإشارة إليها.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير