للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شعورا ضئيلا، لأن أصحاب هذه الإمارات لم ينفذوا فعلا إلى فكرة الأمة العربية أو الجنس العربى بحيث يجمعون العرب تحت لواء واحد، إنما كل ما هناك اتحاد قبلى، له رئيس.

ومن الاتحادات التى كانت تجمعهم اتحادات الأحلاف، ويظنّ أن هذه الاتحادات لعبت دورا كبيرا فى تكوين القبائل إذ كانت تنضم العشائر الضعيفة إلى العشائر القوية الكبيرة لتحميها وترد العدوان عنها، يقول البكرى: «فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة وتنافس الناس فى الماء والكلأ، والتماسهم المعاش فى المتسع، وغلبة بعضهم بعضا على البلاد والمعاش واستضعاف القوى الضعيف، انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم فى ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم» (١) ومن القبائل التى تمثل ذلك خير تمثيل قبيلة تنوخ فى العراق، فقد انضم إليها وتلاشى فيها كثير من القبائل والعشائر العراقية (٢)

وبمجرد أن تدخل القبيلة فى حلف يصبح لها على أحلافها كل الحقوق، فهم ينصرونها على أعدائها ويردون كيدهم عنها فى نحورهم. وقد تنفصل بعض قبائل الحلف لتنضم إلى حلف آخر يحقق مصالحها، ومن ثم كنا نجد دائما أحلافا تضعف، وتحل محلها أحلاف أخرى. وقبائل قليلة لم تدخل فى أحلاف، ولذلك سميت باسم جمرات العرب، لما كان فيها من شجعان يكفونها فى الحروب، على أن هذا كثيرا ما كان يؤول بها إلى أن تنهك فى المعارك، أما القبائل المتحالفة فكانت تهاب لخشونة مسّها. وأصل الحلف والتحالف من كلمة الحلف بمعنى اليمين الذى كانوا يقسمونه فى عهودهم، وكانوا يغمسون أيديهم فى أثناء عقد أحلافهم فى طيب أو فى دم، وكانوا يقولون (٣): الدم الدم والهدم الهدم، لا يزيد العهد طلوع الشمس إلاّ شدّا وطول الليالى إلا مدّا، ما بلّ بحر صوفة وأقام رضوى فى مكانه، إن كان جبلهم رضوى وإلا ذكروا ما يجاورهم من جبال. وربما أوقدوا النار عند تحالفهم، ودعوا الله على من ينكث العهد بالحرمان من منافعها، ويقال إن قبائل مرة بن


(١) معجم ما استعجم للكبرى (طبعة السقا) ١/ ٥٣.
(٢) انظر مادة تنوخ فى دائرة المعارف الإسلامية.
(٣) انظر الحيوان للجاحظ ٤/ ٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>