للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٧١- أعرابي يصف مطرا:

عن أبي عبيدة قال: خرج النعمان في بعض أيامه في عقب سماء، فلقي أعرابيا على ناقة، فأمر فأُتي به، قال: كيف تركت الأرض وراءك؟ فقال:

"فِيح رُحاب١، منها السهول ومنها الصِّعاب، منشوطة بحبالها، حاملة لأثقالها"، قال: إنما سألتك عن السماء! قال:

"مُطِلَّة٢ مستقلة، على غير سقاب ولا أطناب، يختلف عصراها، ويتعاقب سِرَاجاها، قال: ليس عن هذا أسألك! قال: فَسَلْ ما بدا لك، قال: هل صاب الأرض غيث؟ قال:

"نعم: أغمضت٣ السماء في أرضنا ثلاثا رَهْوًا، فَثَّرت وأرْزَغَتْ، ورَسَّغَت، ثم خرجت من أرض قومي أقرؤها٤، فإذا هي متواصية، لا خَطِيطة بينها، حتى هبطت بعشار، فتداعى السحاب من الأقطار، فجاءنا بالسيل الخرَّار، فعفا٥ الآثار، وملأ الجِفَار، وقوَّر عالي الأشجار، فأحجر الحضَّار، ومنع السُّفَّار، ثم أقلع عن نفع وإضرار، فلما اتلأَبَّت٦ لي القيعان، ووَضَحَت السُّبُل في الغيطان، وفات العَنَانُ، من أقطار الأعنان، فلم أجد وَزَرًا إلا الغِيران، ففات وِجار الضبُع، فغادرتُ السهول


١ فيح جمع فيحاء: واسعة، وكذا رحاب، منشوطة: مشدودة، من نشط الحبل كنصر عقده "وأنشطه: حله".
٢ مطلة: مرتفعة، وكذا مستقلة، والسقاب جمع سقب كشمس: وهو عمود الخباء، والعصران: الليل والنهار، وسراجاها: الشمس والقمر.
٣ أي دامت ولازمت، والرهو: السكون والثرة من العيون: الغزيرة كالثرارة، وقد ثرت هي، والرزغة بالتحريك: الوحل، وأرزغ المطر الأرض بلها ولم تسل، ورسغ المطر: كثر وثرى الأرض حتى تبلغ يد الحافر عنه إلى أرساغه.
٤ أتتبعها، والخطيطة: الأرض لم تمطر بين ممطورتين، أو التي مطر بعضها، وعشار: موضع.
٥ محاها وطمسها، والجفار جمع جفر كشمس: البئر التي لم تطو، وقورها: قطع من وسطها خرقا مستديرا، وأحجر، من أحجر الضب: أي أدخله في جحره، والحضار جمع حاضر وهو المقيم في الحضر، والسفار جمع سافر وهو المسافر لا فعل له.
٦ استقامت، والعنان: السحاب والأعنان من السماء: نواحيها والوزر الملجأ، والغيران جمع غار: وهو الكهف في الجبل، والوجار بالكسر والفتح: جحر الضبع وغيرها.

<<  <  ج: ص:  >  >>