للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

٤٣- فصل: إذا كانت بعض المخلوقات لا تُعْلَمُ إلا جملة فالخالق أجل وأعلى

٢٢٤- رأيت كثيرًا من الخلق وعالمًا من العلماء لا ينتهون عن البحث، عن أصول الأشياء التي أمروا بعلم جملها٢ من غير بحث عن حقائقها! كالروح مثلًا، فالله تعالى سترها بقوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: ٨٥] ، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ماهيتها، ولا يقعون بشيء٣، ولا يثبت لأحد منهم برهان على ما يدعيه! وكذلك العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح موجودة بلا شك، كلاهما يعرف بآثاره، لا بحقيقة ذاته.

٢٢٥- فإن قال قائل: فما السر في كتم هذه الأشياء؟ قلت: لأن النفس ما تزال تترقى من حالة إلى حالة، فلو اطلعت على هذه الأشياء، لترقت إلى خالقها، فكان ستر ما دونه زيادة في تعظيمه؛ لأنه إذا كان بعض مخلوقاته يعلم جملة٤، فهو أجل وأعلى.

٢٢٦- ولو قال قائل: ما الصواعق؟ وما البرق؟ وما الزلازل؟ قلنا: شيء مزعج، ويكفي. والسر في ستر هذا: أنه لو كشفت حقائقه، خف مقدار تعظيمه٥.

ومن تلمح هذا الفصل، علم أنه فصل عزيز.


١ التراقي: جمع ترقوة، وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ الروح إلى التراقي عن الإشراف على الموت.
٢ في الأصل: جهلها. وهو تصحيف.
٣ لا يقعون بشيء: لا يجدون شيئًا.
٤ في هامش الأصيل: في النسختين: يعلم جملة وفي الهندية: يجهل يعلم جهله.
٥ قلت: بل يزيد، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨] فمعرفة العلماء أجل وأرسخ من معرفة العوام.

<<  <   >  >>