فصول الكتاب

<<  < 

فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار، وأيضاً فإنه قد ثبت [أن الرسول مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه وأن مطيعهم لله] ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم، لقوله تعالى: {وَمَنْ يُطَعَ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} [النساء: 69] ، وقد أخبر سبحانه عن ملائكته حملة العرش ومن حولهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبعُوا سبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحِيمَ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدْتَهُمْ} [غافر: 7- 8] ، فدل على أن كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم، فقد وعده الجنة. وقد ثبت فى حق مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم، فتعين دخولهم الجنة، والله أعلم.

وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك، فهم فى الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة، إلا أنهم ليس فيهم رسول. وأفضل درجاتهم درجة الصالحين، ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها.

فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام: صالحين، ودونهم، وكفار. وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة، ودرجة المقربين، والله أعلم.

فهذا ما وصل إليه الإحصاءُ من طبقات المكلفين فى الدار الآخرة، وهى ثمان عشرة طبقة، وكل طبقة منها لها أَعلى وأدنى ووسط. وهم درجات عند الله، والله تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره ويقرن بينهما فى الدرجة.

قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ} [الصافات: 22] ، قال الإمام أحمد وقبله عمر بن الخطاب: "أزواجهم" أشباههم ونظراؤهم.

وقال تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية فقال: بقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء فى النار. وقال الحسن وقتادة: يلحق كل بشيعته، اليهودى باليهودى، والنصرانى بالنصرانى. وقال الربيع: يحشر الرجل مع صاحب عمله.

وفى الآية ثلاثة أقوال أُخر، أحدها: أن تزويج النفوس اقترانها بأجسادها وردها إليها. الثانى: تزويجها اقترانها بأعمالها. الثالث: أنه تزويج المؤمنين الحور العين، وتزويج الكفار بالشياطين.

والقول الأول أظهر الأقوال، والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

<<  <