للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يقول الشنفرى: إن ولي أمرنا كان يقتر في الطعام، وكثيرًا ما كان يقتصد في توزيعه علينا، وذلك لخشيته من أن يأتي وقت لا نجد فيه قوتًا ونحن جياع، فيالها من سياسة عجيبة!!! إنه لا يفعل ذلك بخلًا منه، أو شحًّا بما لديه علينا، ولكن من خشية الجوع، فقد كان يلي أمر جماعة فقراء ليس لهم مورد رزق ثابت. وهو في منتهى الوضوح والصراحة، ولا يخفي شيئًا من أمره، ولا يستر عنهم أمرًا. وليس لإقامته مكان أو وقت معروف، فهو دائم الكفاح ولا يعرف متى ينتهي ولا إلى أين يعود إلى حين يقرر هو ذلك عندما يقتنع به. وهو كامل السلاح، وجعبته دائمًا عامرة، فإذا أحس خطرًا تهيأ واستعد للقتال والنزال، وإذا أحدق الخطر بدأ يرمي بالسهام، ثم يلتحم بالعدو ويضرب بسيف أبيض صارم، حتى يشفي غلته من دم الأعداء. وفي النهاية يقول عن نفسه:

إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي

ولو لم أرم في أهل بيتي قاعدًا ... إذن جاءني بين العمودين حمتي٦١٤

وإني لحلو إن أريدت حلاوتي ... ومر إذا نفس العزوف استمرت٦١٥

أبي لما آبي سريع مباءتي ... إلى كل نفس تنتحى في مسرتي٦١٦

يقول: لست حريصًا على الحياة، فإذا جاءني الموت فلن أعبأ به، ولن أرضى أن يثير موتي مشاعر أحد حتى ولو كان من أرهف أقاربي شعورًا نحوي فإني أؤمن بأن الموت حتم، ولو أني لم أخرج للكفاح وملاقاة الأخطار، وحبست نفسي في بيتي وبين أهلي فسوف يدركني موتي ولن تستطيع أية قوة أن تبعده عني متى انتهى أجلي. وإني لسهل لطيف لمن يكون معي سهلًا لطيفًا، ومر شديد المرارة لمن عاداني. وإذا أبيت شيئًا تركته ولن يستطيع أحد مهما كان أن يرغمني عليه، وما أسرعني إلى محبة كل من ألمس فيه ميلًا إلى ما يسرني.

وشعر الصعاليك في العصر الجاهلي، يرينا كيف كان حال الفقراء، وما كان أكثرهم في


٦١٤ لم أرم: لم أبرح. العمودين: لعله أراد بهما عمودي الخباء. الحمة: المنية وهي الموت.
٦١٥ العزوف: المنصرف عن الشيء، ويقصد هنا صاحب الإباء وعزة النفس. استمرت: أحست المرارة. يقول: أنا سهل لمن ساهلني، مر على من عاداني.
٦١٦ المباءة: الرجوع. أبي: صاحب إباء أي أنفة وعزة نفس. آبى: أكره. تنتحي: تقصد وتميل، وتنتحي في مسرتي. تقصد إلى ما يسرني.

<<  <   >  >>