للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فِي الْمُنَكَّرِ وَأَجْزَائِهِ فِي الْمُعَرَّفِ هُوَ أَنَّ الْأَفْرَادَ إنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تُعْلَمُ نِهَايَتُهَا، فَإِنْ لَمْ تُفْضِ الْجَهَالَةُ إلَى الْمُنَازَعَةِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الِاسْتِغْرَاقِ كَمَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ وَالْأَمْرِ بِالدَّفْعِ عَنْهُ وَإِلَّا.

فَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا فِي الْمَجْلِسِ فَهِيَ عَلَى الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا كَالْإِجَارَةِ وَالْإِقْرَارِ وَالْكَفَالَةِ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَتْ الْأَفْرَادُ مُتَفَاوِتَةً لَمْ تَصِحَّ فِي شَيْءٍ عِنْدَهُ كَبَيْعِ قَطِيعِ كُلِّ شَاةٍ وَصَحَّ فِي الْكُلِّ عِنْدَهُمَا كَالصُّبْرَةِ وَالْأَصَحُّ فِي وَاحِدٍ عِنْدَهُ كَالصُّبْرَةِ.

وَفِي إقْرَارِ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا الْوَصِيُّ إذَا قَالَ قَبَضْت كُلَّ مَالٍ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ فَجَاءَ غَرِيمٌ، وَقَالَ لِلْوَصِيِّ إنِّي دَفَعْت إلَيْك كَذَا كَذَا دِرْهَمًا، وَقَالَ الْوَصِيُّ مَا قَبَضْت مِنْك شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ مَعَ يَمِينِهِ اهـ.

ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ فِي آخِرِ غَصْبِ الْخَانِيَّةِ مِنْ مَسَائِلِ الْإِبْرَاءِ لَوْ قَالَ كُلُّ غَرِيمٍ لِي فَهُوَ فِي حِلٍّ قَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ لَا يَبْرَأُ غُرَمَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إيجَابُ الْحَقِّ لِلْغُرَمَاءِ وَإِيجَابُ الْحُقُوقِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ.

وَأَمَّا كَلِمَةُ كُلُّ فِي بَابِ الْإِبَاحَةِ، فَقَالَ فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ لَوْ قَالَ كُلُّ إنْسَانٍ تَنَاوَلَ مِنْ مَالِي فَهُوَ حَلَالٌ لَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ لَا يَجُوزُ وَمَنْ تَنَاوَلَ ضَمِنَ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ هُوَ جَائِزٌ نَظَرًا إلَى الْإِبَاحَةِ وَالْإِبَاحَةُ لِلْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ وَمُحَمَّدٌ جَعَلَهُ إبْرَاءً عَمَّا تَنَاوَلَهُ وَالْإِبْرَاءُ لِلْمَجْهُولِ بَاطِلٌ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ نُصَيْرٍ اهـ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الضَّابِطِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَهِيَ عَلَى الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إيجَابُ حَقٍّ لِأَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَصِحَّ وَلَا فِي وَاحِدٍ كَمَسْأَلَةِ الْإِبْرَاءِ وَقَدَّمْنَا فِي الطَّلَاقِ الْفَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ تَطْلِيقَةٍ وَكُلَّ التَّطْلِيقَةِ، وَفِي بَابِ الظِّهَارِ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كُلَّ يَوْمٍ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ صَحَّ فِي وَاحِدٍ أَنَّهُ فَاسِدٌ فِيمَا عَدَاهُ وَيَرْتَفِعُ الْفَسَادُ بِكَيْلِهِ فِي الْمَجْلِسِ لِارْتِفَاعِ الْجَهَالَةِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْكَيْلِ وَكِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَرَّرَ الْفَسَادُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِاسْتِئْنَافِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ أَشَارَ إلَى نَوْعَيْنِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ، فَقَالَ أَبِيعُك هَاتَيْنِ الصُّبْرَتَيْنِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ فِي الصُّبْرَتَيْنِ جَمِيعًا، كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ وَفِي الْمَنْظُومَةِ فَاسِدٌ فِي الْجَمِيعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْمُجْتَبَى بِعْتُك نَصِيبِي مِنْ هَذَا الطَّعَامِ بَطَلَ، وَإِنْ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَكَذَا فِي الدَّارِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَلَوْ بَاعَ جُزْءًا مِنْ خَمْسَةِ أَسْهُمٍ أَوْ سَهْمًا مِنْ خَمْسَةٍ أَوْ نَصِيبِي مِنْ خَمْسَةِ أَسْهُمٍ أَوْ سَهْمًا مِنْ خَمْسَةِ أَنْصِبَاءٍ أَوْ جُزْءًا أَوْ نَصِيبًا مِنْهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا اهـ.

وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ رَجُلٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَقْفِزَةِ حِنْطَةٍ بَاعَ مِنْهَا قَفِيزًا، ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا قَفِيزًا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا قَفِيزًا مِنْ ثَالِثٍ، ثُمَّ كَالَ لَهُمْ الْأَقْفِزَةَ الثَّلَاثَةَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَاسْتَحَقَّ مِنْ الْكُلِّ قَفِيزًا، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَأْخُذُ الْقَفِيزَ الثَّالِثَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ حِينَ بَاعَ الْقَفِيزَ الْأَوَّلَ. وَالثَّانِي فَقَدْ بَاعَ مَا يَمْلِكُهُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَدْ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ اهـ.

[رَجُلٌ فِي يَدِهِ كُرَّانِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى بَاعَ مِنْ آخَرَ كُرًّا]

وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ كُرَّانِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا مِنْ رَجُلٍ، وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى بَاعَ مِنْ آخَرَ كُرًّا وَدَفَعَ إلَيْهِ، ثُمَّ بَاعَ الْكُرَّ الْآخَرَ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِيَيْنِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا كَانَ فِي يَدِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بَعْدَمَا بَاعَ الْأَوَّلَ كَانَ يَمْلِكُ الْكُرَّ الثَّانِي فَإِذَا بَاعَ الْآخَرَ لِثَالِثٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُشْتَرِيَ الثَّالِثَ وَوَجَدَ الثَّانِيَ أَخَذَ مِنْ الثَّانِي نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، فَإِنْ حَضَرَ الثَّالِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ وَجَدَ الْأَوَّلُ الثَّالِثَ أَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَكَانَ الْكُرَّيْنِ عَبْدٌ اهـ.

ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ قَفِيزَا حِنْطَةٍ. وَأَمَّا إذَا بَاعَهَا لِثَلَاثَةٍ، ثُمَّ كَالَهَا فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً فَهَلْ يَكُونُ النُّقْصَانُ مِنْ حِصَّةِ الثَّالِثِ أَوْ عَلَى الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ لَهُ سِلْعَةٌ وَزْنِيَّةٌ ظَنَّ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مَنٍّ فَبَاعَهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ لِكُلِّ مِنْهُمْ أَلْفُ مَنٍّ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَلَمَّا وَزَنُوا وَجَدُوا ذَلِكَ نَاقِصًا مِنْ الْمِقْدَارِ الْمُقَدَّرِ بِكَثِيرٍ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ بَاعَ مِنْهُمْ مَعًا لَهُمْ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ إنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تُعْلَمُ نِهَايَتُهَا إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْوَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ وَالْغَرَرُ الْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ كَلِمَةَ كُلَّ مَتَى أُضِيفَتْ إلَى مَا لَا يُعْلَمُ مُنْتَهَاهُ يَتَنَاوَلُ أَدْنَاهُ وَهُوَ الْوَاحِدُ كَمَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَى كُلُّ دِرْهَمٍ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ وَعِنْدَهُمَا هُوَ كَذَلِكَ فِيمَا لَا يَكُونُ مُنْتَهَاهُ مَعْلُومًا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَاعْتُرِضَ عَلَى أَصْلِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَوْ كُلُّ عَبْدٍ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى كُلِّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا وَإِلَى كُلِّ عَبْدٍ يَشْتَرِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ نَحْنُ نَدَّعِي ذَلِكَ فِيمَا لَا يَجْرِي فِيهِ النِّزَاعُ وَزُيِّفَ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ فِي عَدَمِ جَرَيَانِ النِّزَاعِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ كَلَامًا وَأُجِيبَ ثَانِيًا بِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَهُوَ التَّزَوُّجُ وَالشِّرَاءُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَعْلُومًا بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ اهـ.

وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ أَيْضًا لَا يَشْفِي غَلِيلًا، فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا قَالَ كُلُّ صَاعٍ أَبِيعُهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>