<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

عِرْقِ الْعُذْرِ دُونَهُ، وَإِلَّا فَإِنَّ قَتْلَ النَّبِيِّينَ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ. وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْقَيْدَ يُقَرِّرُ لَنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَمِّ الشَّيْءِ وَمَدْحِهِ تَدُورُ مَعَ الْحَقِّ وُجُودًا وَعَدَمًا لَا مَعَ الْأَشْخَاصِ وَالْأَصْنَافِ. وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ كَلِمَةَ (حَقٍّ) هُنَا الْمَنْفِيَّةَ تَشْمَلُ الْحَقَّ الْعُرْفِيَّ بِقَاعِدَةِ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تُفِيدُ الْعُمُومَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ قَتْلِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمِصْرِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ، فَإِذَا كَانَتِ الشَّرِيعَةُ الْمِصْرِيَّةُ تَقْضِي بِقَتْلِ مِثْلِهِ وَقَتَلُوهُ فِي عُرْفِهِمْ لَا يُذَمُّونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تُذَمُّ شَرِيعَتُهُمْ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَادِلَةً، وَالْيَهُودُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ مَا فِي قَتْلِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ النَّبِيِّينَ لَا حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا.

وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ أَيِ الْحُكَمَاءِ الَّذِينَ يُرْشِدُونَ النَّاسَ إِلَى الْعَدَالَةِ الْعَامَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَجْعَلُونَهَا رُوحَ الْفَضَائِلِ وَقِوَامَهَا، وَمَرْتَبَتُهُمْ فِي الْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ تَلِي مَرْتَبَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَثَرُهُمْ فِي ذَلِكَ يَلِي أَثَرَهُمْ ; ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ طَبَقَاتِ النَّاسِ تَنْتَفِعُ بِهَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ، كُلُّ صِنْفٍ بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ، وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمْ إِلَّا بَعْضُ الْخَوَاصِّ الْمُسْتَعِدِّينَ لِتَلَقِّي الْفَلْسَفَةِ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ اصْطَلَمَ التَّوْحِيدُ وَثَنِيَّةَ الْعَرَبِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَيْفَ عَجَزَتْ دَعْوَةُ فَلَاسِفَةِ الْيُونَانَ إِلَى

التَّوْحِيدِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُمْ فِيهَا فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ طُلَّابِ الْفَلْسَفَةِ؟ ذَلِكَ بِأَنَّ دَعْوَةَ النَّبِيِّ عَلَى مَا تَخْتَصُّ بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ وَتَأْثِيرِ رُوحِ الْوَحْيِ لَهَا ثَلَاثَةُ مَظَاهِرَ بَيَّنَهَا اللهُ - تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [16: 125] فَالْحِكْمَةُ مَا يُدْعَى بِهِ الْعُقَلَاءُ وَأَهْلُ النَّظَرِ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ، وَالْمَوْعِظَةُ مَا يُدْعَى بِهِ الْعَوَامُّ السُّذَّجُ، وَالْجَدَلُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لِلْمُتَوَسِّطِينَ الَّذِينَ لَمْ يَرْتَقُوا إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِطَلَبِ الْحِكْمَةِ وَلَا يَنْقَادُونَ إِلَى الْمَوْعِظَةِ بِسُهُولَةٍ، بَلْ يَبْحَثُونَ بَحْثًا نَاقِصًا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْحُسْنَى فِي مُجَادَلَتِهِمْ وَمُخَاطَبَتِهِمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ فَإِنَّ لَهُمْ طَرِيقَةً وَاحِدَةً فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ، وَالْفَضِيلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى طَلَبِ الْعَدْلِ فِي الْأَفْكَارِ وَالْأَخْلَاقِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَكِيمُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى ذَلِكَ مُتَدَيِّنًا وَيَجْرِي فِي الْإِقْنَاعِ بِالدِّينِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُتَدَيِّنٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَدْعُو إِلَى الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ مِنَ الْعَقْلِ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُهُ مَعَ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ، وَالْإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِ هَؤُلَاءِ دَلِيلٌ عَلَى غَمْطِ الْعَقْلِ وَمَقْتِ الْعَدْلِ، وَأَقْبِحْ بِذَلِكَ جُرْمًا وَكَفَى بِهِ إِثْمًا. وَلَمْ يُفَسِّرِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ بِالْحُكَمَاءِ، بَلْ قَالَ: إِنَّ مَرْتَبَةَ هَؤُلَاءِ تَلِي مَرْتَبَةَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: مِنَ النَّاسِ يُشْعِرُ بِقِلَّتِهِمْ. وَأَقُولُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِيَارِ: إِنَّهُ يُشْعِرُ بِشُمُولِ قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ لِمَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ عَلَى وَجْهِهَا فَآمَنَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي هَذَا تَعْظِيمُ شَأْنِ الْحِكْمَةِ وَالْعَدَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ شَرَفِ الْإِسْلَامِ وَإِرْشَادِ

<<  <  ج: ص:  >  >>