<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أَقُولُ: وَإِذَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِالنَّسْخِ ضَعِيفَةً بِحَسْبَ الصِّنَاعَةِ، فَهِيَ فِي اعْتِقَادِي مَوْضُوعَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَفْهَمِ الْآيَةَ. وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهَا مَا رَوَوْا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لَكَانَتْ مِنْ تَكْلِيفِ مَالَا يُطَاقُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَبِهِ أَخَذَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي مَنْعِ النَّسْخِ.

أَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فَمَعْنَاهُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَحَافِظُوا عَلَى أَعْمَالِهِ حَتَّى الْمَوْتِ. فَالْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ عَلَى هَذَا الدِّينُ إِيمَانُهُ وَعَمَلُهُ، وَوَجْهُ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ جَاءَ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَبَعْدَ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى حَقِّ التَّقْوَى. وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِخْلَاصُ، وَقِيلَ الْإِيمَانُ دُونَ الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ إِلَى الْمَوْتِ. أَقُولُ: وَهَذَا النَّهْيُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ أَنَّ الْمَرْءَ يَمُوتُ غَالِبًا عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَاشَ عَلَى الْيَقِينِ حَقَّ التَّقْوَى وَالِاحْتِرَاسِ مِمَّا يُنَافِي الْإِسْلَامَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ بِفَضْلِ اللهِ الَّذِي كَانَتْ تِلْكَ الْقَاعِدَةُ مِنْ سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ لَنَا - عَزَّ وَجَلَّ - مَا بِهِ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَقَالَ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا حَبْلُ اللهِ: هُوَ الْقُرْآنُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ

ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: " كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ " عُلِّمَ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْحُسْنِ. وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: " حَبْلُ اللهِ هُوَ الْقُرْآنُ " وَقِيلَ: هُوَ الطَّاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْإِسْلَامُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالُوا: إِنَّ الْعِبَارَةَ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شُبِّهَتْ فِيهَا حَالَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي اهْتِدَائِهِمْ بِكِتَابِ اللهِ أَوْ فِي اجْتِمَاعِهِمْ وَتَعَاضُدِهِمْ وَتَكَاتُفِهِمْ بِحَالَةِ اسْتِمْسَاكِ الْمُتَدَلِّي مِنْ مَكَانٍ عَالٍ بِحَبْلٍ مَتِينٍ يَأْمَنُ مَعَهُ مِنَ السُّقُوطِ.

وَصَوَّرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ التَّمْثِيلَ بِمَا أَظْهَرَ مِنْ هَذَا، قَالَ مَا مَعْنَاهُ: الْأَشْبَهُ أَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ تَمْثِيلًا، كَأَنَّ الدِّينَ فِي سُلْطَانِهِ عَلَى النُّفُوسِ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى الْإِرَادَاتِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَرَيَانِ الْأَعْمَالِ عَلَى حَسَبِ هَدْيِهِ حَبْلٌ مَتِينٌ يَأْخُذُ بِهِ الْآخِذُ فَيَأْمَنُ السُّقُوطَ، كَأَنَّ الْآخِذِينَ بِهِ قَوْمٌ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ يُخْشَى عَلَيْهِمُ السُّقُوطُ مِنْهُ. فَأَخَذُوا بِحَبَلٍ مَوَثَّقٍ جَمَعُوا بِهِ قُوَّتَهُمْ فَامْتَنَعُوا مِنَ السُّقُوطِ.

وَأَقُولُ: إِنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مِنْ تَفْسِيرِ حَبْلِ اللهِ بِكِتَابِهِ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ كَانَ آخِذًا بِالْإِسْلَامِ. وَلَا يَظْهَرُ تَفْسِيرُهُ بِالْجَمَاعَةِ وَالِاجْتِمَاعِ، وَإِنَّمَا الِاجْتِمَاعُ هُوَ نَفْسُ الِاعْتِصَامِ، فَهُوَ يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَجْعَلَ أَنَّ اجْتِمَاعَنَا وَوَحْدَتَنَا بِكِتَابِهِ، عَلَيْهِ نَجْتَمِعُ، وَبِهِ نَتَّحِدُ، لَا بِجِنْسِيَّاتٍ نَتَّبِعُهَا، وَلَا بِمَذَاهِبَ نَبْتَدِعُهَا، وَلَا بِمُوَاضَعَاتٍ نَضَعُهَا، وَلَا بِسِيَاسَاتٍ نَخْتَرِعُهَا، ثُمَّ نَهَانَا عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِانْفِصَامِ بَعْدَ هَذَا الِاجْتِمَاعِ وَالِاعْتِصَامِ، لِمَا فِي التَّفَرُّقِ مِنْ زَوَالِ الْوَحْدَةِ الَّتِي هِيَ مَعْقِدُ الْعِزَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَبِالْعِزَّةِ يَعْتَزُّ الْحَقُّ فَيَعْلُو فِي

<<  <  ج: ص:  >  >>